وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ
قال الله عز وجل في
الأعراف :﴿ فَرِيقاً هَدَى
وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا
الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴾(الأعراف: 30) ، وقال سبحانه وتعالى في النحل :﴿ وَلَقَدْ
بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا
الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى
اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ
عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ﴾(النحل: 36) ، فأتى
بالفعل ( حقَّ ) مع ( الضلالة ) مذكَّرًا في الآية الأولى ، وأتى بالفعل ( حقَّت ) معها مؤنَّثًا في الآية الثانية .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : لم أتى هذا الفعل في آية الأعراف مذكَّرًا ، وأتى في آية
النحل مؤنَّثًا ، والمسند إليه في الآيتين واحد ، وهو ( الضلالة ) ؟ وما الفرق بينهما
؟ وفي الإجابة عن ذلك نقول بعون الله وتعليمه :
أولاً- ( الضلالة ) في اللغة مؤنث ( الضلال ) . والضلالُ خلاف الاهتداء ، وهو مصدر : ضلَّ . يقال : ضلًّ يضِلُّ
ضلالاً ؛ كما يقال : اهتدى يهتدي اهتداء . قال الله تعالى :﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا
النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا
يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾(يونس: 108) . والضلالُ والضلالةُ
: العدول عن الحق ومجانبة الصواب ، والفرق بينهما : أن الضلالة أخصُّ من الضلال ، وأبلغ في التعبير عن المراد . ويبين لك ذلك أن نوحًا عليه السلام لما دعا قومه إلى ( التوحيد ) ، قال له الأشراف من
قومه والسادة الذين جعلوا أنفسهم أضداد الأنبياء :﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي
ضلال مُّبِينٍ
﴾(الأعراف: 60) ، فأجابهم بقوله :﴿ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ ﴾(الأعراف: 61) ، ولم يجبهم بما يقتضيه قولهم له ، فيقول :( ليس بي ضلال ) ؛ لأن الضلالة أخصُّ من الضلال ، فكانت
أبلغ في نفي الضلال ؛ وكأنه قال : ليس بي ضلالة واحدة أو شيء من الضلال ، فضلاً عن
أن يكون بي ضلال . فكان جوابه من أحسن الرد وأبلغه في نفي أنواع الضلال عن نفسه ،
وفي ضمنه نسبة الضلال إليهم بكل أنواعه . فلو قال :( ليس بي ضلال) ، لم يُؤدِّ هذا
المعنى ، فتأمله !
وقولي
: الضلال أو الضلالة خلاف الاهتداء هو مذهب أهل السنة ، ومذهب المعتزلة أن الضلالة
خلاف الهُدَى ، واحتج الزمخشري على ذلك بقوله تعالى :﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ
اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى ﴾(البقرة: 16) ، وقوله تعالى :﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى
هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾(سبأ: 24) ، فوقعت الضلالة
والضلال في مقابلة الهدى . وقول الزمخشري هذا مبنيٌّ على تعريفه للهدى بأنه ( الدلالة الموصلة إلى
البغية )
. أي : إلى الاهتداء . وقال آخرون : الهدى هو الاهتداء والعلم . وفي حقيقة
الهدى قال الرازي :« الهدى عبارة عن الدلالة » ، ثم أورد القولين
السابقين ، وعقَّب عليهما بقوله :« والذي يدل على صحة القول الأول ، وفساد
القول الثاني والثالث ، أنه لو كان كون الدلالة موصلة إلى البغية مُعتَبرًا في
مسمَّى الهدى ، لامتنع حصول الهدى عند عدم الاهتداء ؛ لأن كون الدلالة موصلة إلى
الاهتداء حال عدم الاهتداء محالٌ ؛ لكنه غير ممتنع بدليل قوله تعالى :﴿
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ﴾(فصِّلت:
17)
،
أثبت الهدى مع عدم الاهتداء ؛ ولأنه يصح في لغة العرب أن يقال : هديته فلم يهتد ،
وذلك يدل على قولنا » . ثم قال :« الفرق بين الهدى ،
وبين الاهتداء معلوم بالضرورة ؛ فمقابل الهدى هو الإضلال ، ومقابل الاهتداء هو
الضلال ؛ فجََعلُ الهدى في مقابلة الضلال ممتنع » .
وذهب
بعضهم إلى أن الضلال في قوله تعالى :﴿ وَقَدْ أَضَلُّوا
كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا ﴾(نوح: 24) بمعنى العذاب ،
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى :﴿ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي
ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ﴾(القمر: 17) . أي : في عذاب ، ونار مستعرة . وقال أبو حيان
في البحر عند تفسير قوله تعالى :﴿ يُضِلُّ
بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ﴾(البقرة: 16) :« قيل : يضل بمعنى :
يعذب ؛ كقوله تعالى :﴿ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ
﴾
، قاله بعض المعتزلة ، وردّ القفال هذا ، وقال : بل المراد في الشاهد في ضلال عن
الحق » . وقال الرازي :« اعترض القفال عليه ، فقال : لا نسلم بأن الضلال
جاء بمعنى العذاب . أما قوله تعالى :﴿ إِنَّ
الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ﴾ فيمكن أن يكون المراد في ضلال عن الحق في
الدنيا ، وفي سعر . أي : في عذاب جهنم في الآخرة » . وإلى هذا القول ذهب
بعض المفسرين ، والصواب في تفسير الآية قول ابن كثير :« يخبرنا تعالى عن المجرمين أنهم في ضلال عن الحق ، وسُعُر مما هم فيه
من الشكوك والاضطراب في الآراء ، وهذا يشمل كل من اتصف بذلك من كافر ومبتدع من
سائر الفرق » ، ويؤيده قوله تعالى في آية أخرى :﴿ فَقَالُوا أَبَشَراً
مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ﴾(القمر: 24) ، والمعنى : يقولون :
إن اتبعنا صالحًا وهو بشر منا واحد ، فإنا إذًا لفي ذهاب عن الصواب وبعد عن الحق ،
وجنون . أو في شقاء وعناء ، تشبيهًا باستعار النار . وقال الزركشي في البرهان :« كل شيء في القرآن من ذكر السعير فهو النار والوقود ؛ إلا قوله عز
وجل :﴿ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ﴾ ، فإنه العناد » .
ثانيًا- نعود إلى الجواب عن السؤال الذي ابتدأنا به ، وكان الغرض ممَّا
تقدَّم أن نبين أن الضلالة
خلاف الاهتداء ، وأنها لا تأتي بمعنى : العذاب ، خلافًا للمعتزلة ومن يقول بقولهم ، فنقول بعد
هذا : قال ابن قيِّم الجوزيَّة :« فإن قيل : فما الفرق
بين قوله :﴿ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ
حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ﴾(النحل: 36) ، وبين قوله :﴿ فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ
عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ ﴾(الأعراف: 30) ؟ قيل : الفرق من وجهين
: لفظي ومعنوي.
أما اللفظي فهو أن الحروف الحواجز بين الفعل
والفاعل في قوله :﴿ حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ ﴾ أكثر منها في قوله :﴿ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ ﴾ ، وقد تقدم أن الحذف مع كثرة الحواجز أحسن .
وأما المعنوي فإن ( مَنْ ) في قوله :﴿ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ﴾ واقعة على الأمة والجماعة ، وهي مؤنثة لفظًا ؛
ألا تراه يقول :﴿
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا ﴾(النحل:
36) ، ثم قال :﴿ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ
الضَّلالَةُ ﴾ . أي : من تلك الأمم أمم حقَّت عليهم الضلالة . ولو قال بدل ذلك
:( ضَلَّتْ ) ، لتعينت التاء ، ومعنى الكلامين واحد . وإذا
كان معنى الكلامين واحدًا ، كان إثبات التاء أحسن من تركها ؛ لأنها ثابتة فيما هو
في معنى الكلام الآخر .
وأما ﴿ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ
الضَّلاَلَةُ ﴾ فـ(
الفريق ) مذكَّر ، ولو قال :( فريقًا ضلُّوا ) ، لكان بغير تاء ، وقولهم :﴿ حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ ﴾
في معناه ، فجاء بغير
تاء . وهذا أسلوب لطيف من أساليب العربية ، تدع العرب
حكم اللفظ الواجب له في قياس لغتها ، إذا كان في معنى كلمة لا يجب لها ذلك الحكم ،
تراهم يقولون : هو أحسن الفتيان وأجمله ؛ لأنه في معنى : هو أحسن فتى وأجمله » .
ثالثًا- وهنا أدعو عبَّاد الأوثان إلى النظر في جواب
ابن قيِّم الجوزيَّة وتدبُّره ، إن كانوا يحسنون النظر والتدبر ؛ ليقارنوه بجواب
العالم الكبير والمبدع الذي لا حدود لإبداعه ، وكان الدكتور السامرائي قد تحدث عن
سبب تذكير الفعل وتأنيثه في هاتين الآيتين ، فقال :« تذكير الفاعل المؤنث له أكثر
من سبب وأكثر من خط في القرآن الكريم ، فإذا قصدنا باللفظ المؤنّث معنى المذكّر
جاز تذكيره ، وهو ما يُعرف بالحمل على المعنى ، وقد جاء في قوله تعالى عن الضلالة
:( فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ
(30) الأعراف) ، وقوله تعالى :( وَلَقَدْ
بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا
الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ
عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ (36) النحل) .
ونرى أنه
في كل مرة يذكر فيها الضلالة بالتذكير تكون الضلالة بمعنى العذاب
؛ لأن الكلام في الآخرة :( كَمَا
بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) الأعراف) ، وليس في الآخرة ضلالة
بمعناها ؛ لأن الأمور كلها تنكشف في الآخرة ، وعندما تكون الضلالة بالتأنيث يكون
الكلام في الدنيا . فلمّا كانت الضلالة بمعناها هي ، يؤنّث الفعل »
.
هذا ما أجاب به السامرائي ، ولا يخفى ما بينه ،
وبين جواب ابن قيِّم الجوزية من مفارقة عجيبة ، ولو أنه اقتدى به لكان أفضل له
وأحسن ، وتعقيبًا على هذا الجواب ، إن جاز أن نسمِّيه جوابًا ، نقول :
1- أما قوله :« تذكير الفاعل المؤنث له أكثر
من سبب وأكثر من خط في القرآن الكريم »
فالفاعل المؤنث لا يذكَّر ، وإنما الذي يجوز فيه التذكير والتأنيث هو الفعل المسند
إلى الفاعل إن توفرت فيه الشروط المعروفة ، فلا يقال : هذا ضلالة ، وهذا صيحة ، وهذا رجفة ؛ وإنما
يقال : حقَّ عليه ضلالة ، وأخذ الظالم صيحة ورجفة . وأما قوله :« له أكثر من
سبب وأكثر من خط في القرآن الكريم »
فهو ادعاء باطل ، وما سمَّاه خطوطًا هنا ، وفي موضع آخر : خطوطًا تعبيرية ، هو
خطوط وهمية لا حقيقة لها ، وقد رددنا عليه قوله هذا في أكثر من مقال .
2- وأما قوله :« فإذا
قصدنا باللفظ المؤنّث معنى المذكّر جاز تذكيره ،
وهو ما يُعرف بالحمل على المعنى » فآخره صحيح ، وأوله كقوله السابق ؛ فاللفظ
المؤنث ، وإن قصد به معنى المذكَّر ، فلا يجوز تذكيره ؛ وإنما الذي يجوز تذكيره-
كما قلنا- هو الفعل المسند إليه إن توفرت فيه الشروط المتفق عليها بين النحاة .
3- وأما قوله :« ونرى أنه في كل مرة يذكر فيها الضلالة بالتذكير تكون الضلالة بمعنى
العذاب » فالضلالة لا تُذكِر بالتذكير ، ولا تكون بمعنى العذاب ، وقد سبق أن بينا
ذلك في الفقرة الأولى ، ونضيف هنا أولاً : قال الله تعالى :﴿ أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ
بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾(البقرة:
175) ، فجمع بين الضلالة
والعذاب . فلو كانت الضلالة بمعنى العذاب ، لما صحت المغايرة بينهما . وأما ثانيًا
: فإن لفظ ( الضلالة ) ورد
بالتعريف في ثماني آيات ، وورد بالتنكير في آية واحدة وقع فيها اسمًا لليس
، وهي قوله :﴿ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ ﴾(الأعراف: 61) ، وجاء مسندًا إلى ضمير
الغائبين ﴿
ضَلَالَتِهِمْ
﴾ في
آيتين ، وجاء مسندًا إلى الفعل في آيتين ، ذكِّر في الأولى ، وأُنِّث في الثانية ؛
وهما الآيتان اللتان نحن بصدد الحديث عنهما :﴿ حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ ﴾ ، ﴿ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ ﴾ ، وهذا ينقض قوله السابق الذي
زعم فيه أنه يرى في كل مرة يذكر فيها الضلالة بالتذكير تكون الضلالة بمعنى العذاب
.
4- وأما قوله :« لأن الكلام
في الآخرة :( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) الأعراف) ، وليس في الآخرة ضلالة
بمعناها ؛ لأن الأمور كلها تنكشف في الآخرة . وعندما تكون الضلالة بالتأنيث يكون
الكلام في الدنيا ، فلمّا كانت الضلالة بمعناها هي يؤنّث الفعل
» فهو ادعاء باطل أيضًا ، يدل على عدم فهم لكلام الله عز وجل ، وجهل
فاضح بما ينطوي عليه من أسرار البيان . هذا مع أن معنى الآية أوضح من أن يخفى عن
المبتدئين ؛ فالله تعالى يقول : كما بدأكم في الدنيا فريقين : فريق مهتد وفريق ضال
؛ كذلك يعيدكم يوم البعث فريقين : فريق مهتد وفريق ضال . فمن كتب عليه أنه من أهل السعادة والإيمان
في الدنيا فهو كذلك في الآخرة ، ومن كتب عليه أنه من أهل الشقاوة والكفر في الدنيا
فهو كذلك في الآخرة ، لا يتبدل شيء مما أحكمه الله عز وجل ودبَّره ، وهذا مذهب جمهور
المفسرين .
وقال ابن عاشور :« ومعنى
﴿ فَرِيقاً هَدَى ﴾
:
أن فريقًا هداهم الله في الدنيا ، و:﴿ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ ﴾ . أي : في الدنيا ؛ كما دل عليه
التعليل بقوله :﴿ إِنَّهُمُ
اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
مُهْتَدُونَ
﴾(الأعراف:
30) » ، فحصر الضلالة في
الدنيا ، وقد مرَّ بنا قول نوح عليه السلام لقومه :﴿ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ ﴾(الأعراف: 61) بتذكير ( ليس ) مع الضلالة ، وهي في الدنيا ، وليست بمعنى
العذاب وأنها في الآخرة ؛ كما زعم السامرائي . وأما سبب تذكيرها هنا فهو وجود
الفاصل بينها ، وبين الضلالة ، وأن المراد بالضلالة النوع . أي ليس بي نوع من
أنواع الضلال ، وهذا هو الحمل على المعنى .
رابعًا- من يقرأ جواب ابن قيم
الجوزية يفهم منه كل شيء ، ومن يقرأ كلام العالم الكبير المبدع لا يفهم منه أي شيء
، والقول الوحيد الذي ذكره صوابًا في جوابه كله هو قوله :« وهو ما يُعرف بالحمل على المعنى
»
، ولم يحسن تطبيقه . وأما ما عدا ذلك فكل ما ذكر في هذا الجواب هو خطأ ، لا يخفى
إلا على من طمس الله على بصره ، وختم على قلبه ، فليس عجيبًا بعد هذا أن ترى أحدهم
يكتب مقالاً بحت عنوان ( الدكتور فاضل السامرائي- إبداع بلا حدود ) ، وليس غريبًا
أن تسمع السيدة سمر الأناؤوط تعلق على هذا المقال بقولها :
« بارك الله بالدكتور الفاضل ، وهو بحق إبداع بلا حدود ، وصدق
فيه قوله تعالى :( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
(23) الأحزاب ) ، صدق اللهَ في دعائه له بأن يفتح عليه من علمه الواسع بالقرآن وتعلق
بأستار الكعبة داعيًا ربه متضرعًا إليه راجيًا ، فصدقَه اللهُ تعالى ، وزاده من علمه
، وفتح عليه فتوح العارفين » . وأضافت هذه السيدة التي
اعترفت أكثر من مرة بأنها لا تفهم شيئًا مما يقول السامرائي ، فمهمتها مقتصرة فقط
على نقل وجمع ما ينطق به عالمها المبدع الذي لا حدود لإبداعه من درر وجواهر ،
أضافت قائلة :« وتقديرًا لجهوده وحرصًا على نشر علمه
، كانت فكرة موقعي إسلاميات الذي بدأ بحلقات هذا العالم الفاضل ، ثم توسع
ليشمل علماء آخرين ، لكن يبقى برنامج لمسات بيانية أساس هذا الموقع وقلبه النابض بالعلم
بكتاب الله تعالى » .
وشتان ما بين شهادة هؤلاء الشهود له ، وشهادة
تلك اللمسات التي تنطق بنفسها دون أن يستنطقها أحد بجهل
ما له حدود بكلام الله عز وجل ، أفلم ينظروا فيها ، ( فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ
يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ) ؟ ( فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى
الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) ، صدق الله
العظيم !
بقلم : محمد
إسماعيل عتوك