صفحة المقالات
روابط فرعية
رتب
دليل العرب الشمامل
تسجيل دخول
اسم المستخدم :

كلمة المرور :


فقدان كلمة المرور ؟

إشترك الآن
استمع إلى القرآن الكريم



فروق لغوية: الفرق بين دارهم وديارهم   بتاريخ: 2010/3/2
 
دارهم وديارهم

الفرق بين دارهم وديارهم

قال الله تعالى في إهلاك قوم صالح عليه السلام :﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾(الأعراف: 78) ، ﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾(هود: 67) ، وقال تعالى في إهلاك قوم شعيب عليه السلام :﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾(الأعراف: 91) ، ﴿ وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾(هود: 94) .

فأخبر سبحانه عن إهلاكهم مرة بالرجفة ، ومرة أخرى بالصيحة ، ووحَّد الدار مع الرجفة ، وجمعها مع الصيحة . فما معنى كل من ( الرجفة ) ، و( الصيحة ) ؟ ولم وحَّد ( الدار ) مع الأولى ، وأتى بها جمعًا مع الثانية ؟ وفي الإجابة عن ذلك نقول بعون الله وتعليمه :

أولاً – أما السؤال الأول فجوابه :

أن ( الرَّجْفَةُ ) هي الزلزلة الشديدة ، وهي ( فَعلَة ) ندل على حدوث الفعل مرة واحدة ، وهي من ( رجف يرجُف ) ، و( الراء والجيم والفاء ) أصل صحيح  يدل على اضطراب . يقال : رجفت الأرض تَرْجُف رَجْفًا ورَجِيْفًا ورجَفانًا ورَجْفَةً . وقيل : الرجفة خفقان القلب واضطرابه حتى ينقطع . وأرجف الناسُ في الشيء ، إذا خاضوا فيه واضطربوا . وقوله تعالى :﴿ تَرْجُفُ الراجفة (النازعات: 6) ؛ كقوله تعالى :﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا (الزلزلة: 1) . وقيل : الرَّجْفَةُ هي الطامَّةُ التي يتزَعْزعُ لها الإِنسان ويضطرب ، ومنه قيل للبحر : رَجَّافٌ لاضطرابه .

أما ( الصَّيْحةُ ) فهي الصوت الشديد ، وهي ( فَعْلَةٌ ) ندل على حدوث الفعل مرة واحدة ، وهي من ( صاح يصيح ) ، و( الصاد والياء والحاء ) أصلٌ صحيح ، وهو الصَّوت العالي . يقال : صاح يصيح صياحًا وصيحة . أي : صوَّت بقوة . قال تعالى في صفة المنافقين :﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾(المنافقون: 4) ،  ويقال : لقيت فلانًا قبل كل صَيْح ونَفْر . فالصيْحُ : الصياح . والنفْر : التفرُّق . وممّا يستعار من هذا قولهم : صاحت الشجرة ، وصاح النبت ، إذا طال ؛ كأنه لمَّا طال وارتفع ، جُعِلَ طوله كالصياح الذي يدل على الصائح .

والجمهور على أن ( الزلزلة ) هي ( الصيحة ) ، وقال الفراء والزجاج : هي الزلزلة الشديدة ، قال تعالى :﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ ﴾(المزمل: 14) . وقال الليث : هي كرجفان البعير تحت الرحل ، وكما ترجف الشجرة إذا أرجفتها الريح ، قال النيسابوري :« وهذا لا يناقض ما ورد في موضع آخر أنهم أهلكوا بالطاغية ، وفي آخر أنهم أهلكوا بالصيحة ؛ لأن الطغيان مجاوزة الحد .. فالزلزلة هي الحركة الخارجة عن الحد المعتاد ، والغالب أن الزلزلة لا تنفك عن الصيحة الهائلة » .

ثانيًا– وأما السؤال الثاني فقد أجاب عنه الرازي عند تفسير آية الكهف ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ (العنكبوت: 37) بقوله :« قال ههنا وفي الأعراف :﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ﴾(الأعراف: 78) ، وقال في هود :﴿ وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ ﴾(هود: 94) ، والحكاية واحدة . نقول لا تعارض بينهما ؛ فإن الصيحة كانت سببًا للرجفة ؛ إما لرجفة الأرض ؛ إذ قيل : إن جبريل صاح ، فتزلزلت الأرض من صيحته ، وإما لرجفة الأفئدة ؛ فإن قلوبهم ارتجفت منها ، والإضافة إلى السبب لا تنافي الإضافة إلى سبب السبب ؛ إذ يصح أن يقال : رَويَ فقوي ، وأن يقال : شرب فقوي ، في صورة واحدة » .

وأضاف الرازي قائلاً :« حيث قال :﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ قال :﴿ فِي دِيَارِهِمْ ﴾ ، وحيث قال :﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ﴾ قال :﴿ فِي دَارِهِمْ ﴾ ، فنقول المراد من ( الدار ) هو ( الديار ) ، والإضافة إلى الجمع يجوز أن تكون بلفظ الجمع ، وأن تكون بلفظ الواحد إذا أمن الالتباس . وإنما اختلف اللفظ للطيفة ، وهي أن الرجفة هائلة في نفسها ، فلم يحتج إلى مهوِّل . وأما الصيحة فغير هائلة في نفسها ؛ لكن تلك الصيحة لما كانت عظيمة حتى أحدثت الزلزلة في الأرض ، ذكر ( الديار ) بلفظ الجمع ، حتى تعلم هيبتها ، والرجفة بمعنى الزلزلة عظيمة عند كل أحد ، فلم يحتج إلى معظم لأمرها » .

وانتهى الرازي من ذلك إلى القول :« وقيل : إن ( الصيحة ) كانت أعمَّ ، حيث عمَّت الأرض والجو ، و( الزلزلة ) لم تكن إلا في الأرض ، فذكر ( الديار ) هناك .. غير أن هذا ضعيف ؛ لأن ( الدار والديار ) موضع الجثوم ، لا موضع ( الصيحة والرجفة ) ؛ فهم ما أصبحوا جاثمين إلا في ديارهم » .

وقال أبو حيان في البحر :« قال الكرماني : حيث ذكر الرّجفة ، وهي الزلزلة ، وحدّ الدار . وحيث ذكر الصيحة جمع ؛ لأن الصيحة كانت من السماء ، فبلوغها أكثر وأبلغ من الزلزلة ، فاتصل كل واحد منهما بما هو لائق به . وقيل : في دارهم . أي : في بلدهم ، كنَّى بالدار عن البلد . وقيل : وحدّ ، والمراد به الجنس » .

فذكر أبو حيان أقوالاً ثلاثة ، جمع النيسابوري بين القول الأول والثاني منهما في قول واحد ، فقال :﴿ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ ﴾ . أي : في بلدهم ؛ كقولك : دار الحرب ودار الإسلام  . وقد جمع في آية أخرى فقال :﴿ فِي دِيَارِهِمْ ﴾ ؛ لأنه أراد بالدار ما لكل واحد من منزلة الخاص ؛ إلا أنه حيث ذكر الرجفة وحَّد ، وحيث ذكر الصيحة جمع ؛ لأن الصحية كأنها من السماء ، فبلوغها أكثر وأبلغ من الزلزلة  » .

ولا يخفى ما في ذلك من خلط واضطراب ، وسوف نرى أن أصح هذه الأقوال هو القول الذي ينصُّ على أن ( الدار ) جاءت بصيغة المفرد ؛ لأن المراد بها : البلد ، أو الأرض ، وأن أضعف هذه الأقوال هو القول الذي نصَّ على « أنه حيث ذكر الرجفة وحَّد ، وحيث ذكر الصيحة جمع ؛ لأن الصحية كأنها من السماء ، فبلوغها أكثر وأبلغ من الزلزلة » .

هذا القول الذي حكاه أبو حيان عن الكرماني ، وحكاه الرازي عن بعضهم وضعَّفه ، وخلط بينه النيسابوري وبين غيره ، هو القول الذي اعتمد عليه الدكتور فاضل السامرائي في جوابه عندما سئل في ( لمسات بيانية ) عن الفرق بين كلمتي ( دارهم ) ، و( ديارهم ) من الناحية البيانية في القرآن الكريم ، فقال في ذلك ما نصُّه :« الصيحة هي أشملُ وأعمُّ من الرجفة ، لذا فإنها تُصيب عددًا أكبر ، وتبلغ أكثر من الرجفة » .

وأضاف الدكتور السامرائي قائلاً :« والمعلوم أن الصوت يمتد أكثر من الرجفة ، ولهذا فهي تؤثر في ديار عديدة ، لذا جاء استخدام كلمة ( ديارهم ) مع الصيحة ، كما في سورة هود . أما الرجفة فيكون تأثيرها في مكانها فقط ، لذا جاء استخدام كلمة ( دارهم ) مع الرجفة , كما في سورة الأعراف » .

هذا الجواب الضعيف - كما وصفه الرازي- اعتمده السامرائي ، وهو إحدى لمساته التي نقلتها منذ سنوات إلى موقع أهل التفسير السيدة سمر الأرناءوط الناطق الرسمي باسم الدكتور السامرائي ، والقائم بأعماله ، وهو الذي دفع أحد المتحمسين للدكتور فاضل أن يقسم قائلاً :« والله يا إخوتي عندما أقرأ للسامرائي أصاب بالذهول ، لسعة علمه ودقته فإنني أحسبه عند الله من الراسخين في العلم ، والله حسبه وحسبنا . وهذا تكريم خاص للعلماء أمثال السامرائي ، أفادنا الله بعلمهم الغزير » . وهذا ما أكده الدكتور عبد الرحمن الشهري المشرف على الموقع بقوله مدافعًا بحماس :« فالدكتور فاضل السامرائي يستحق كل هذا الثناء ، ولا غضاضة في ذلك ، والرسوخ في العلم صفة تكتسب بطول الممارسة ، وليست حكرًا على أحد بعينه ، والرسوخ في كل علم بحسبه » . ومن أراد أن يطلع على هذه اللمسة وما دوِّن عليها من تعليقات ، وعلى غيرها من اللمسات الضبابية ، فليذهب إلى موقع أهل التفسير ، ويبحث عن اللمسة رقم واحد إلى رقم خمسة . ومما هو جدير بالذكر هنا أن الذي أقسم بالله على أنه عندما يقرأ للسامرائي يصاب بالذهول لسعة علمه ودقته ، فيحسبه عند الله من الراسخين بالعلم ، كان بعد هذا القسم الذي أقسمه يرسل إلي بعض الأسئلة ، وأجيبه عنها ، وأسئلته مع أجوبتها موجودة في موقع أهل التفسير نفسه .. وقد صرح لي هذا الأخ الذي كان مخدوعًا بلمسات السامرائي بأنه ندم أشد الندم على ما دفع من ثمن لقاء حصوله على كتب السامرائي ، وله مشاركة موجودة في موقع أهل التفسير يلمح فيها بذلك ، وعليها تعليق للدكتور عبد الرحمن الشهري .  

ليس هذا كله بالمهم ؛ ولكن المهم أنه قد وصلتني رسالة من أحد الإخوة يقول فيها : قرأت مقالك ( تذكير الفعل مع الملائكة وتأنيثه ) ، فهالني ما قرأت ودخلني الشك فيما تقول ، ورحت أبحث في ( جوجل ) عن مقال الدكتور فاضل ، فأحالني البحث إلى ( منتدى اللمسات البيانية ) في موقع ( إسلاميات ) التي تشرف عليه سمر الأرناءوط . ولما دخلت المنتدى ، وجدت فيه وثنًا يعبد من دون الله ، من قبل عصابة جاهلة تتزعمها مشرفة الموقع ، وقد دفعني الفضول إلى الاشتراك في المنتدى ، وطرحت عليهم بعض التساؤلات ، ففوجئت بسمر تقول :( لا يوجد في هذا المنتدى من يجيب على تساؤلاتك ) ، وأحالتني إلى سؤال الدكتور في ( لمسات بيانية ) . وهذا ما شجعني لأن أنشر بعض مقالاتك ، ومنها مقال ( تذكير الفعل مع الملائكة وتأنيثه ) ، و( كن فيكون ) ، و( همت به وهم بها ) ، و( فتحت أبوابها وفتحت ) ، وما كنت أعلم أنني بذلك سأغضب تلك العصابة الجاهلة التي تجعل من الأشخاص أوثانًا تعبدها من دون الله ، بلا علم بما يقولون ، فكانت النتيجة أن هوجمت هجومًا عنيفًا من كلب مسعور ، ولما رددت عليه بالمثل ، ألغت سمر الأرناءوط اشتراكي في الموقع ، وحذفت مقالاتك التي نشرتها ، واستبدلتها بلمسة من لمسات الدكتور فاضل حول ( دخول الواو على جواب حتى إذا في آية أهل الجنة ، وحذفها في آية أهل النار ) ، ولمسة أخرى حول تفسيره لقوله تعالى :( وسابقوا إلى مغفرة من ربكم ) ، و( سارعوا إلى مغفرة من ربكم ) ، حتى اللمسة التي تحدث فيها الدكتور السامرائي عن ( تذكير الفعل مع الملائكة وتأنيثه ) قد حذفته السيدة سمر الأرناءوط ؛ لأنني علقت عليه بما يثبت خطأه . وإن أردت أن تتأكد فابحث في ( جوجل ) عن المقال ، يعطك البحث اسم المقال في منتدى اللمسات ، وعندما تطلبه ، تجد رسالة ( هذا المقال غير موجود ) .

وأقول تعقيبًا على هذه الرسالة : أما الكلاب المسعورة فهم كثر ، ولا شأن لي بهم ولا معهم ، ومن صفاتهم اللَّهَثُ ؛ سواء حملت عليهم ، أم لم تحمل ، ونباحهم لم يغير من الحقيقة شيئًا .. وأما السيدة سمر الأرناءوط فلا أشك في إخلاصها لعالمها الكبير ، ووفائها له ، بغض النظر عن السبب ؛ ولكنني أشك في قدرتها على فهم واستيعاب ما تنقل من تلك اللمسات التي آثرت أن أسميها بعد تردد بالغبية تارة ، والضبابية تارة أخرى ، والسحرية تارة ثالثة .. ليس ذلك مني من باب الحقد على هذا الرجل ، أو غيره من الأسباب الشخصية- كما يزعم ويفهم بعض القاصرين- فليس بيني ، وبين الدكتور فاضل شيء يحملني على الحقد عليه ، ولست ممن يحملون الحقد على أحد . أنا أصرخ بأعلى صوتي وأقول بملء فمي : هذا الرجل يخطىء في تفسير آيات الله عز وجل ، وأذكر الخطأ ، وأبين الصواب مع الدليل من القرآن ، فمن كان يرى أنني متحامل عليه ، فليثبت لي أنه على صواب ، وأنني على خطأ بالدليل والبرهان ، لا بالأقوال الفارغة ، وليعلم كل مخدوع بلمسات السامرائي أنني لو شئت أن أكون مكانه ، لفعلت حين عرض علي الشيخ مظهر قيمة الأمر مرتين فرفضت ، وكان ذلك بعد أول حلقة تبثها قناة الشارقة لهذا الرجل ، وبعد أن كشفت له بعض أخطائه التي حاول أن يداريها بأخطاء أكبر منها عندما واجهته بها والشيخ مظهر قيمة شاهد على ذلك . وأما عن سبب رفضي فلأنني لست من الذين يحبون الظهور على شاشات التلفزة أولاً . وأما ثانيًا فلأنني باحث ولست بعالم ، وأن هذا المكان هو أكبر مني ، ومن الدكتور فاضل نفسه . ولو كان عالمًا حقًّا ، وتمثَّل قول الله عز وجل :﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ، لما رضي لنفسه أن يكون في هذا الموقع ، إلا وهو واثق كل الثقة بما يقول .  

وأعود بعد هذا إلى السيدة سمر الأرناءوط ، فأقول لها : إن كنت ممن ينشد الحق طالبًا الثواب من الله تعالى ، ويرغب في معرفة الجواب الصحيح عن آية أهل الجنة وآية أهل النار ، فاسألي الشيخ الدكتور أحمد الكبيسي ، يخبرك عن الجواب الصحيح ، فليس من أحد غيره من علماء عصرنا يمتلك الجرأة على قول الحق ، والاعتراف بالخطأ وإن كان على نفسه ، ثم ارجعي إلى تفسير القرطبي والرازي والزمخشري وأبي حيان والألوسي ، وغيرهم كثير ؛ لتجدي جواب العالم الكبير  الذي أجاب به موجودًا في هذه التفاسير ، وبلغة بيانية مشرقة ، وستعلمين حينئذ أن عالمك المبدع الذي لا حدود لإبداعه لم يأت بشيء من عنده ، كل ما فعله أنه نقل من كتب التفسير جوابه دون تحقيق ، وكثيرًا ما ينقل من الأقوال أضعفها كما في جوابه في لمسته هذه التي نحن بصدد الحديث عنها . 

وأما عن تفسيره لقوله تعالى :﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾(الحديد: 21) ، وقوله تعالى :﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾(آل عمران: 133) فاعلمي ، أنت وكل المعجبين بلمسات السامرائي والمتحمسين لها والمتسابقين إلى نشرها ، أن أول خطأ في هذه اللمسة هو قوله :« سابقوا وسارعوا : ( المسارعة ) أنت قد تسارع بنفسك إلى الأمر :( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ (90) الأنبياء(  . أما ( المسابقة ) فتقتضي أكثر من واحد حتى تكون مسابقة . لا بد أن يكون أكثر من متسابق . المسارعة قد تكون لوحدك ، أنت تسارع إلى الامتحان ، لكن المسابقة تسابق غيرك للوصول إلى المركز الأول .. المسارعة سرعة ، أما المسابقة هي سرعة وزيادة » .

أقول : هذا القول للسامرائي خطأ كبير ، وبيان خطئه من وجوه :

أولها : لو كانت ( المسارعة ) سرعة فقط ، و( المسابقة ) سرعة وزيادة ، لما جاز توكيد الأولى بالثانية في قوله تعالى :﴿ أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (المؤمنون: 61) .   

هذه الآية جاءت إشارة إلى المذكورين قبلها :﴿ إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (المؤمنون: 75- 60) . هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات الجليلة ، مدحهم الله تعالى بقوله : ( أولئك يسارعون في الخيرات ) ، ثم أكده بقوله : ( وهم لها سابقون ) . فالذين هم للخيرات سابقون هم الذين يسارعون فيها أنفسهم ، وهذه معادلة ربانية موزونة بميزان دقيق منزه من الخلل . ولو كانت ( المسابقة ) هي سرعة وزيادة ، كما زعم السامرائي ، لحدث خلل في هذه المعادلة الربانية ، وكلام الله تعالى منزَّه عن الخلل ومما يزعمه السامرائي وغيره ممن يأخذ بقوله ، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا .    

والثاني : أن ( المسارعة ) من السرعة ، و( المسابقة ) من السبق ، والسرعة غير السبق ؛ لأن السبق يدل على التقديم ، وأصله التقدم في السير ، والسرعة ضد البطء ، وكل منهما ( مفاعلة ) ، والمفاعلة تقتضي المشاركة ، فكما يقال : سابق فلان فلانًا ، يقال مثله في المسارعة : سارع فلان فلانًا مسارعة ، خلافًا لما زعمه السامرائي . قال أبو حيان :« والمسارعة : مفاعلة ؛ إذ الناس كل واحد منهم ؛ ليصل قبل غيره ، فبينهم في ذلك مفاعلة » .

وقال الألوسي :« وأما المسارعة فالمسابقة . أي : يسارعون غيرهم . قال الزجاج : يُسَارِعُونَ أبلغ من يسرعون .. وجهة المبالغة أن المفاعلة تكون من اثنين ، فتقتضي حث النفس على السبق ؛ لأن من عارضك في شيء تشتهي أن تغلبه فيه » .

وقال صاحب أضواء البيان :« و( سارعوا ) ، وقوله ( سابقوا إلى مَغْفِرَةٍ ) فيه الأمر بالمسارعة ، والمسابقة إلى مغفرته وجنته جل وعلا ؛ وذلك بالمبادرة ، والمسابقة إلى امتثال أوامره . ولا شك أن ( المسارعة ) ، و( المسابقة ) كلتاهما على الفور ، لا التراخي » .

وقال ابن عاشور :« والسرعة المشتقّ منها ( سارعوا ) مجاز في الحرص والمنافسة والفور إلى عمل الطاعات التي هي سبب المغفرة والجنة ، ويَجوز أن تكون السرعة حقيقة ، وهي سرعة الخروج إلى الجهاد عند النفير .. وجيء بصيغة ( المفاعلة ) ، مجرّدة عن معنى حصول الفعل من جانبين ، قصد المبالغة في طلب الإسراع ، والعرب تأتي بما يدلّ في الوضع على تكرّر الفعل ، وهم يريدون التأكيد والمبالغة دون التكرير » .

الوجه الثالث : قال أبو حيان :« ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ ﴾ ، قرأ ابن عامر ونافع :( سارعوا ) بغير واو على الاستئناف ، والباقون بالواو على العطف . لما أمروا بتقوى النار ، أمروا بالمبادرة إلى أسباب المغفرة والجنة .. وقرأ أبي وعبد الله :( وسابقوا ) » . والقراءات حجة بالغة على من يخالف قواعد اللغة العربية ، وإن كان لم يقرأ بها ؛ لأنها مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فمن رزقه الله بصرًا وبصيرة ، واطلع على هذه الوجوه الثلاثة لا يمكن أن يتردد ، ولو للحظة في الحكم على خطأ قول السامرائي .. أما قوله : قدم المغفرة على الجنة ، وأتى بكاف التشبيه ؛ لأن المشبه به أوسع من المشبه ، فهذا وذاك من الأمور البدَهيَّة التي يعرفها صغار الطلبة في مراحلهم الدراسية الأولى . وعالم كبير مبدع كالسامرائي فتح الله له بابًا واسعًا من خزائن علمه بعد دعائه ربه وتمسكه بأستار الكعبة لا ينبغي أن تغيب عنه هذه الأقوال لهؤلاء العلماء الأجلاء . ولو أنه دقق النظر وأحسن التدبر ، لعلم أن هذه المقارنة التي أجراها بين ( سارعوا ) ، و( سابقوا ) ، وما بنى عليها من مقارنات أخرى هي مقارنات فاشلة ؛ لأنها مبنية على خطأ ، وما بني على خطأ ، فهو خطأ مثله لا ينبغي أن ينطلي على أحد ؛ لأنه مخالف لما أراده الله عز وجل من الآيتين ، ﴿ فََلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ .

ثالثًا- وأما قوله في اللمسة التي نحن بصدد الحديث عنها :

« الصيحة هي أشملُ وأعمُّ من الرجفة ، لذا فإنها تُصيب عدداً أكبر وتبلغ أكثر من الرجفة . والمعلوم أن الصوت يمتد أكثر من الرجفة ، ولهذا فهي تؤثر في ديار عديدة ، لذا جاء استخدام كلمة ( ديارهم ) مع الصيحة كما في سورة هود . أما الرجفة فيكون تأثيرها في مكانها فقط ، لذا جاء استخدام كلمة ( دارهم ) مع الرجفة , كما في سورة الأعراف »

فهذا خطأ آخر يضاف إلى أخطائه التي لا يحصيها العد ، وهو خطأ مبني أيضًا على خطأ آخر مثله ، وهو ذهابه إلى أن المراد من ( الدار ) هنا مفرد ( الديار ) ، وهو ليس كذلك ؛ لأن المراد من ( الدار ) هنا : القطعة من الأرض ، وهي التي تسمَّى الوطن ، يقال : دار العرب ، ودار الفرس ، ودار الروم ، ودار الإسلام ، ودار الكفر ، والمراد : أرضهم . وأما ( الديار ) فالمراد منها : المنازل أو البيوت المبنية من الحجر ، وغيره ، فهي أخصُّ من لفظ ( الدار ) ؛ ولهذا أتى التعبير عن الأولى بلفظ المفرد ، وأتى عن الثانية بلفظ الجمع ، ويبين لك ذلك :

1- أن لفظ ( الدار ) يطلق على البناء الذي تسكنه العائِلة ؛ كما في قوله تعالى :﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ (القصص: 81) ، ويطلق على المكان الذي تحله الجماعة من حي أو قبيلة ، أو أمة ؛ كما في قوله تعالى :﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ ﴾(الرعد: 31) . أي : تحل قريبًا من أرضهم ، وهو المجاور لحدودهم . ويطلق لفظ الدار أيضًا ، ويراد به الدار الدنيا والدار الآخرة ، ودار السلام ( الجنة ) ونار الفاسقين ( النار ) ، وقد يراد به مآل المرء ومصيره ؛ لأنه بمنزلة الدار يأوي إليه في شأنه ، والشواهد على ذلك في القرآن كثيرة .

وعلى هذا المغنى الثاني يحمل لقط ( الدار ) في قوله تعالى :﴿ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾ ، وبه صرَّح بعض المفسرين ؛ كالرازي ؛ إذ قال في تفسير الآية :« يعني : في بلدهم ؛ ولذلك وحَّد ( الدار ) ؛ كما يقال : دار الحرب ، ومررت بدار البزازين ، وجمع في آية أخرى فقال :( في ديارهم ) ؛ لأنه أراد بالدار ما لكل واحد منهم من منزله الخاص به » . وتبعه الألوسي فقال :« والمراد من ( الدار ): البلد ؛ كما في قولك : دار الحرب ، ودار الإسلام ، وقد جمع في آية أخرى ، فقال :( في ديارهم ) ، بإرادة منزل كل واحد الخاص به » . وقال الإمام السيوطي في الدر المنثور :« أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله :﴿ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ ﴾ يعني : العسكر كله » . وجاء في معجم العين للخليل ، وتهذيب اللغة للأزهري ، ولسان العرب لابن منظور :« وأَما الدّارُ فاسم جامع للعَرَصة والبناء والمحَلّة . وكلُّ موضع حلَّ به قوم فهو دَارُهُمْ . والدنيا دار الفناء والآخرة دار القرار، ودار السلام الجنة ».

فالدار لفظ عامٌّ جامعٌ يطلق على البلد والأرض والمحلة ، وأما الديار فهو لفظ خاصٌّ يطلق على المساكن المبنية فقط ، ومثله : الدور ، وكلاهما جمع : دار . ويدلك على ذلك قوله تعالى :﴿ وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ * فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ * فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾(هود: 65- 67) ، فجمع بين اللفظين معًا ( الدار والديار ) . أما قوله :﴿ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ فيعني : في بلدكم ، وأرضكم ، فشمل مساكنهم جميعها ، ثم خصَّ الذين ظلموا منهم بقوله :﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ ﴾ ، فعبر عن ذلك بلفظ ( الديار ) ؛ لأنه أخصُّ من لفظ ( الدار ) .

2- وتأمل بعد ذلك قوله تعالى في خطاب صالح عليه السلام لقومه :﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (الأعراف: 74) كيف ذكَّرهم بنعم الله تعالى عليهم ، وهي أن جعلهم خلفاء في الأرض من بعد الأمة التي سبقتهم ، وبوَّأهم فيها يتخذون من سهولها قصورًا ، وينحتون من جبالها بيوتًا . وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن هؤلاء القوم كانوا فئتين : الأولى كانت تسكن قصورًا اتخذتها من السهول . والثانية كانت تسكن بيوتًا منحوتة اتخذتها من الجبال . 

أما الذين كانوا يسكنون البيوت المنحوتة في الجبال فأهلكوا بالصيحة ، وهي الموجة الصوتية المدوية . وأما الذين كانوا يسكنون القصور التي يتخذونها من السهول فأهلكوا بالرجفة ، وهي الزلزلة الشديدة . ومن هنا يتبين لنا خطأ من يقول : الإهلاك بالصيحة أشمل وأعم من الإهلاك بالرجفة ؛ لأن المراد من الإخبار في الآيتين ليس هو الكم ؛ وإنما المراد هو الكيف ! 

فتأمل يا رعاك الله ! ولا يغرنك لفظ ( القصور ) ، فكما يراد بها : القصور المشيدة بالحجر والآجر وغيرهما ، فكذلك يراد بها : القطع من الأرض المحدَّدة بحدود ؛ كالحدود المعروفة بين كل بلد ، وآخر ، يدلك على ذلك أن لفظ ( القصور ) مأخوذ من القَصْر ، وهو الحبس . قال ابن فارس : يقال : قَصَرْتُه ، إذا حبستَه ، وهو مقصور . أي : محبوس . قال الله تعالى :﴿ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ﴾(الرحمن: 72) ، وامرأةٌ قاصِرَة الطَّرف : لا تمدُّه إلى غيرِ بَعلِها ؛ كأنَّها تحبِس طرْفَها حَبْسًا . قال الله سبحانه :﴿ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ﴾(الرحمن: 56) . ومن الباب : قُصارَاك أن تفعَلَ كذا وقَصْرُكَ ؛ كأنَّه يراد : ما اقتصرت عليه وحَبَسْتَ نفسَك عليه » . ومن هنا جاز إطلاق لفظ القصور على الخيام التي يسكنها البدو في الصحراء ؛ كما قال الشاعر في وصف عرب الرُّوالا ، وهم عرب كانوا يسكنون بلاد الشام :

  رُلا عربٌ قصورهم الخيـام ... ومنزلهم حماة والشــآمُ

   إذا ضاقت بهم أرجاء ارض ... يطيب  بغيرها لهم المقام

فالقصور التي كان يسكنها هؤلاء القوم نوعان : نوع مبني من الحجر ، ونوع غير مبني ، وهو عبارة عن قطعة من الأرض محدَّدة بحدود ، وهي مقصورة عليهم ومقتصرة لهم دون غيرهم ، ومثلهم في ذلك كان قوم شعيب عليه السلام . ولو كانوا يسكنون القصور أو البيوت بالمعنى المعروف فقط ، لما أهلكوا بالظلة . قال قتادة :« قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه : إن الله سلط عليهم الحر سبعة أيام ، حتى ما يظلهم منه شيء ، ثم إن الله أنشأ لهم سحابة ، فانطلق إليها أحدهم واستظل بها ، فأصاب تحتها بردًا وراحة ، فأعلم بذلك قومه ، فأتوها جميعًا ، فاستظلوا تحتها ، فأجَّجتْ عليهم نارًا » . وهكذا روي عن عِكْرِمَة ، وسعيد بن جُبَير ، والحسن ، وغيرهم ، كما قال ابن كثير . وقد أخبر تعالى عن العذاب الذي أصاب به قوم شعيب بثلاثة أمور :

أحدها : الرجفة في قوله تعالى :﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ﴾(الأعراف: 91) .                         

الثاني : الظلة في قوله تعالى في الشعراء :﴿ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ (الشعراء: 189) .

الثالث : الصيحة في قوله في هود :﴿ وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ ﴾(هود: 94) .

قال ابن قيم الجوزية :« وجمع لهم بين الثلاثة ؛ فإن الرجفة بدأت بهم ، فأصحروا إلى الفضاء خوفًا من سقوط الأبنية عليهم ، فصهرتهم الشمس بحرها ، ورفعت لهم الظلة ، فأهرعوا إليها يستظلون بها من الشمس ، فنزل عليهم منها العذاب ، وفيه الصيحة » . وقال ابن كثير :« وقد اجتمع عليهم ذلك كله : أصابهم عذاب يوم الظلة ، وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولَهَب ووهَج عظيم ، ثم جاءتهم صيحة من السماء ، ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم ، فزهقت الأرواح ، وفاضت النفوس وخمدت الأجساد » .

وقال ابن كثير أيضًا :« وقد ذكر الله تعالى صفة إهلاكهم في ثلاثة مواطن ، كل موطن بصفة تناسب ذلك السياق ؛ ففي الأعراف ذكر أنهم أخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ؛ وذلك لأنهم قالوا :﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا (الأعراف: 88) ، فأرجفوا بنبي الله ومن اتبعه ، فأخذتهم الرجفة . وفي سورة هود قال :﴿ وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ (هود: 94) ؛ وذلك لأنهم استهزؤوا بنبي الله في قولهم :﴿ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (هود: 87) ، قالوا ذلك على سبيل التهكم والازدراء ، فناسب أن تأتيهم صيحة تسكتهم ، فقال :﴿ وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ (هود: 94) . وهاهنا قالوا :﴿ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (الشعراء: 187) ، على وجه التعنت والعناد ، فناسب أن يحق عليهم ما استبعدوا وقوعه .﴿ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (الشعراء: 189) » .

وهكذا ثبت بما تقدم أن الرجفة أعم وأشمل من الصيحة ؛ ولهذا جاء التعبير عن الذين أخذتهم الرجفة بقوله تعالى :﴿ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾ ، وأما الذين كانوا يسكنون البيوت المنحوتة في الجبال فأهلكوا بالصيحة ، وهم اللذين ظلموا منهم ؛ ولهذا جاء التعبير عنهم بقوله تعالى :﴿ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾ ، فجاءت كل لفظة مناسبة لما ذكر قبلها من الصفة ، والدليل على ذلك : أن المراد بالإخبار عن إهلاك القوم الكيفية التي تمَّ بها إهلاكهم ، وليس المراد الكم ، وثبت بذلك أن قول من قال ، أيًّا كان :« الصيحة هي أشملُ وأعمُّ من الرجفة ، وأنها تُصيب عددًا أكبر وتبلغ أكثر من الرجفة ، وأنها تؤثر في ديار عديدة » هو قول لا دليل عليه ، وأنه مخالف لنص الآيات ، لا ينبغي الركون إليه .. نسأله سبحانه أن يجعلنا من الذين يستمعون القول ، فيتبعون أحسنه ، وأن يرزقنا الفهم لكلامه ، وأن ينوِّر بصائرنا ، ( فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) .. والحمد لله رب العالمين !

بقلم : محمد إسماعيل عتوك

اطلعت على قول لأحد الإخوة ، بعد انتهائي من كتابة هذا المقال ونشره ، يعقب فيه على قول من قال :« الصيحة أثرها أعمّ وأشمل من الرجفة ؛ ذلك لأن الصيحة من الصياح ، والصوت أسرع انتشارًا ، بينما الرجفة فأثرها مكاني » ، وهو القول الذي اعتمد السامرائي عليه في لمسته الضبابية ، فقال :« الصيحة هي أشملُ وأعمُّ من الرجفة ، لذا فإنها تُصيب عدداً أكبر وتبلغ أكثر من الرجفة . والمعلوم أن الصوت يمتد أكثر من الرجفة ، ولهذا فهي تؤثر في ديار عديدة ، لذا جاء استخدام كلمة ( ديارهم ) مع الصيحة كما في سورة هود . أما الرجفة فيكون تأثيرها في مكانها فقط ، لذا جاء استخدام كلمة ( دارهم ) مع الرجفة , كما في سورة الأعراف »

وتأكيدًا على ما ذكرته في مقالي السابق أذكر هذا القول هنا ، كما ورد بنصِّه :« هذا الكلام لا دليل عليه لا شرعًا ولا عقلاً ، فالعذاب الذي وقع على القومين عمَّهم وشملهم في ( رجفة الدار ) ، و( صيحة الديار ) على السواء ؛ فلا مجال للقول : إن أثر الصيحة عمَّ الديار ( بالجمع ) ، وأن أثر الرجفة عمَّ الدار ( بالإفراد ) ؛ لأن هذا ليس هو المقصود من الإفراد والجمع » .

وأضاف هذا الأخ قائلاً :« وكذلك يجب ملاحظة أن سرعة انتشار الأمواج الزلزالية في الأرض تبلغ أضعاف سرعة انتشار الأمواج الصوتية ، كما هو معروف من الفيزياء . والقول بأن الصيحة عمومًا أكبر أثرًا وتدميرًا من الرجفة كلام في غير محله ، وهو غير صحيح ؛ لأن ذلك يتعلق بمقدار القوة التدميرية لكل منهما عند الإهلاك ، وهذا لم تذكره النصوص . وما نراه من آثار التدمير التي تحصل بسبب الزلازل أعظم بأضعاف من تأثير الصوت والصيحة ؛ لأن أثر الصيحة لا يتعدى إيذاؤها الأحياء إلى أشياء أخرى ؛ إلا بآثار بسيطة كتهشيم الزجاج ، واهتزاز المنشآت .

وأرى أن الرجفة هي الأساس ؛ لأن ما يصاحبها وما يرافقها من أشياء تكون كثيرة ؛ ومنها الأصوات كالصيحة ، فقد يرافق الرجفة براكين ، وسقوط أثقال ، وكسف من السماء ( الحمم ) ، وما ينتج عنها من آثار عمومًا هو أعظم من الصيحة . ويكفينا تذكر ما حصل من زلزلة بالقرب من اندونيسيا في ( 26/12/2004 ) ، وما تبعها من آثار ودمار وموت لعشرات الألوف من الناس للاعتبار ؛ فالصيحة قد تكون من توابع الرجفة ، أو من آثارها » . 

أقول : ويؤيِّد هذا القول ما نقلته عن ابن قيم الجوزية من قوله في إهلاك قوم شعيب بأن « الرجفة بدأت بهم ، فأصحروا إلى الفضاء خوفًا من سقوط الأبنية عليهم ، فصهرتهم الشمس بحرها ، ورفعت لهم الظلة ، فأهرعوا إليها يستظلون بها من الشمس ، فنزل عليهم منها العذاب ، وفيه الصيحة » .  ويؤيده أيضًا أن الله تعالى لما أخبر عن قوم هود بقوله :﴿ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾(هود : 77) ، عقَّب عليه بقوله تعالى :﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾(الأعراف: 78) . ولما أخبر تعالى عن قوم شعيب بقوله :﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (الأعراف: 90) ، عقَّب عليه بقوله تعالى :﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (الأعراف: 91) ، فأتى بفاء التعقيب ، وهذا يدل على أن ( الرجفة ) أخذتهم عقيب ما ذكروا من قولهم ، ثم تبعتها ( الصيحة ) للذين ظلموا منهم خاصّة ، وهم الذين اتخذوا من البيوت المنحوتة في الجبال سكنًا لهم . وبهذا نرى أن الأخذ بالرجفة أعم وأشمل من الأخذ بالصيحة ؛ لأن الصيحة هي من آثار تلك الرجفة التي زلزلت الأرض من تحتهم ، خلافًا لمن زعم أن الصيحة أعم وأشمل ، وأن الرجفة متسببة عن الصيحة ، والله تعالى أعلم !

 محمد إسماعيل عتوك

 

 

 

 تحظير للطباعة أخبر صديقك
العودة للقسم
أقسام المقالات
جديد المفالات
أفضل المقالات
مواقع مشابهة
 
 
الكوثر للبرمجيات جميع الحقوق محفوظة لموقع أسرار الإعجاز البياني في القرآن الكريم