| الإعجاز البياني: كأنهم أعجاز نخل منقعر | بتاريخ: 2010/2/18 |
|
أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ - خَاوِيَةٍ قال الله عز وجل في سورة
القمر :﴿ كَذَّبَتْ
عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ *
إِنَّا أَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ * تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴾(القمر: 18- 20) . وقال سبحانه وتعالى في سورة
الحاقة :﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ *
سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ
حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ
﴾(الحاقة: 6- 7) ، فأتى بوصف ( أعجاز
النخل ) في آية القمر مذكرًا هكذا :( منقعر )
، وأتى به في آية الحاقة مؤنَّثًا هكذا :( خاوية ) . والسؤال
الذي يطرح نفسه هنا : لماذا أتى هذا الوصف في آية القمر
مذكَّرًا ، وأتى في آية الحاقة مؤنَّثًا ؟ وما سر البيان في ذلك ؟ أولاً- وقبل الإجابة عن ذلك أود أن أشير
إلى أن الدكتور فاضل السامرائي قد
سئل في برنامج ( لمسات بيانية ) السؤال الآتي : ( ما هي
الآية التي استعصت عليك ، ووقفت عليها طويلاً ، لاستكشاف اللمسات البيانية فيها ؟
) . فأجاب بالآتي : « أكثر من آية
في الحقيقة .. آية ذكرتها استغرقت حوالي ستة أشهر ، وآية
استغرقت أكثر من هذا بكثير . ذكرت مرة آية :( فَلَا
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) استوقفتني
أكثر من سنة . وآية أخرى استغرقت ستة أشهر : ( تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ) (20) ( القمر ) . و(
كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) (7) ( الحاقة ) . لماذا واحدة
بالتذكير ، والثانية بالتأنيث ، مع أن كلاهما وصف للنخل
؟ ( أَعْجَازُ نَخْلٍ
خَاوِيَةٍ ) يصف النخل . و( أَعْجَازُ
نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ) يصف النخل ، فلماذا جاءت
مرة بالتأنيث ، ومرة بالتذكير ؟ استغرقتني هذه ستة أشهر
. المفسرين
حسب ما اطلعت عليه يقولون الآيات لأن الآية في سورة الحاقة ( تَنزِعُ
النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ) ما قبلها
وما بعدها هي هكذا . والثانية في سورة القمر ( قعر –
منقعر ) تسير على الفاصلة القرآنية . لكني لم أكن
مقتنعًا بهذا التخريج ، فبدأت أفكر لماذا هذا الشيء ؟
لأني أعتقد أن خواتيم الآيات ليست فقط مناسبة لما قبلها وما بعدها
. وإنما هنالك قطعاً علاقة بالمعنى . ثم ربنا سبحانه وتعالى بعد التأمل
والتدبر . نحن لدينا قاعدة كنت غافلاً عنها : ( أن التأنيث يفيد الكثرة
، والتذكير قد يفيد القلة ، والتأنيث قد يفيد المبالغة ) . ربنا قال :( وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ ) (30) (يوسف) . قال :( قال ) . لكن قال :( قَالَتِ الْأَعْرَابُ ) لأن النسوة قليل ، والأعراب كثير ، هذا في القرآن كثير . فالتأنيث يفيد الكثرة . المقدم : إذن ( أعجاز نخل
خاوية ) : كثيرة ؟ د. فاضل : وفيها
مبالغة أيضاً مثل ( علاَّم وعلاَّمة ) تفيد
المبالغة . لو نقرأ الآيتين تتضح المسألة . قال في
القمر :( إِنَّا أَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ) (19) ، ( تَنزِعُ
النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ) (20) يوم نحس ،
يوم واحد . بينما في
الحاقة قال :( وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ
صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ) (6) . زاد
العتو على الصرصر . هناك قال فقط :( رِيحًا
صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ) . أما هنا
قال :( بِرِيحٍ
صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ) . ثم قال :( سَخَّرَهَا
عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا ) (7) . أي :
التدمير سيكون أكثر ؟ المقدم : في الحاقة : د. فاضل : فقال :( كَأَنَّهُمْ
أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) . والخاوية
أكثر من المنقعر ، باعتبار كل منقعر مخلوع ، خاوية أكثر من المنقعر .. هذا على وجه
السرعة » . ثانيًا- هذا ما ورد في اللمسة البيانية رقم
(206 ) ، منقولاً بنصه دون
تغيير عن الدكتور فاضل السامرائي في الإجابة عمَّا سئل ؛ وذلك بعد تفكير طويل
استغرق منه حوالي ستة أشهر كما يقول فضيلته .. وليس غريبًا أن يصدر هذا القول أو
مثله عن رجل عالم كالدكتور السامرائي ، فهو العالم اللغوي الأول الذي لا يشق له
غبار في هذا العصر باعتراف كثير من قرائه ومستمعيه ، حتى أقسم بعضهم بالله على أنه
حين يسمع السامرائي يحسبه من الراسخين في العلم .. ولم لا ، وجواب السامرائي هذا
أقوى دليل على ذلك ، بغض النظر عن أسلوبه الذي صاغ به هذا الجواب . أما ما
ذكره عن المفسرين من أن التذكير والتأنيث في الآيتين يسير على الفاصلة القرآنية-
كما قال- فهو جواب أكثرهم ، وهو اختيار أبي حيان في البحر المحيط ، فقد قال عند
تفسير قوله تعالى :﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ
مُّنقَعِرٍ ﴾ ما نصُّه :« والنخل اسم جنس يذكَّر
ويؤنَّث ؛ وإنما ذكِّر هنا لمناسبة الفواصل ، وأنِّث في قوله :﴿ أَعْجَازُ
نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ في الحاقة لمناسبة الفواصل أيضًا » . وحكى الرازي من قبله هذا القول
عن المفسرين ، وعقَّب عليه بقوله :« وهو جواب حسن ؛ فإن
الكلام ، كما يزين بحسن المعنى ، يزين بحسن اللفظ » . ثم ذكر جوابًا آخر ، ذكره من قبله الطبري ، والقرطبي ، والزمخشري ،
والشوكاني ، والبيضاوي ، والألوسي ، وغيرهم ، وهو : ( أن لفظ النخل اسم جنس يذكَّر ويؤنَّث ، فإذا وصف جاز في صفته التذكير
حملاً على اللفظ ، والتأنيث حملاً على المعنى ) . وحكى أكثر من واحد منهم عن أبي بكر ابن
الأنباري أنه قال :« سئل المبرد بحضرة إسماعيل القاضي عن ألف مسألة
من جملتها ، قيل له : ما الفرق بين قوله تعالى :﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً ﴾(الأنبياء: 81) ، وقوله :﴿ جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ ﴾(يونس: 22) ، وقوله تعالى :﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾(
الحاقة: 7 ) ، وقوله :﴿ أَعْجَازُ
نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴾(القمر:
19) ؟ فقال : كل ما ورد
عليك من هذا الباب فإن شئت رددته إلى اللفظ تذكيرًا ، أو إلى المعنى تأنيثًا » . والغريب
أن الدكتور السامرائي قد غفل عن ذكر هذا الجواب مع شهرته ، واقتصر
على ذكر الجواب الأول ، ثم قال معقِّبًا عليه :«
لكني لم أكن مقتنعًا بهذا التخريج ، فبدأت أفكر لماذا هذا
الشيء ؟ لأني أعتقد أن خواتيم الآيات ليست فقط مناسبة لما قبلها وما بعدها ؛ وإنما
هنالك قطعًا علاقة بالمعنى » . ثم هداه
تفكيره الذي استغرق ستة أشهر إلى ما ذكر من جواب بعد أن تذكر قاعدة لديه كان
غافلاً عنها ، وهي : ( أن التأنيث يفيد الكثرة
، والتذكير قد يفيد القلة ، والتأنيث قد يفيد المبالغة )
. والسؤال
الذي ينبغي أن يطرح على الدكتور السامرائي :
هل يجوز أن
نقيس :( أعجاز نخل منقعر ) ، و( أعجاز نخل خاوية ) على : (
قال نسوة ) ، و( قالت الأعراب ) ؟ وإذا كان
هذا القياس جائزًا ، فهل يدل التذكير في ( قال نسوة ) على القلة ، والتأنيث في ( قالت الأعراب ) على الكثرة والمبالغة ؟ وإن سلمنا جدلاً بأن التذكير في نحو قوله تعالى
:﴿ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾(آل
عمران: 105) يدل على قلة ( البينات ) ، وأن التأنيث في قوله تعالى :﴿ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾(البقرة:
213) يدل على كثرة ( البينات ) ، بناء على القاعدة التي ذكرها ، فماذا يقول
فضيلته في قول الله تعالى :﴿ فَسَجَدَ
الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾(ص: 73) ،
وقوله تعالى :﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ
يَا مَرْيَمُ ﴾(آل عمران: 42) ، حيث ذُكِّر فعل السجود مع الملائكة في آية ( ص
) وهم كثرة ، بدليل قوله تعالى :﴿ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾ ، وأُنِّثَ فعل القول معهم في آية ( آل عمران
) وهم قلَّة ، بدليل أن الملائكة كلهم لم يخاطبوا مريم . والمفسرون يقولون
: المراد بالملائكة ههنا : جبريل وحده ؟ وماذا يقول فضيلته في تذكير الفعل مع ( الصيحة ) في قوله تعالى :﴿ وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة ﴾(هود:
67) ، وتأنيثه معها في قوله تعالى :﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة ﴾(المؤمنون: 41) ، وهي مفردة في الآيتين ؟ وماذا يقول فضيلته
أيضًا في تذكير الفعل مع ( موعظة ) في قوله تعالى :﴿ مَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴾(البقرة: 275) ، وتأنيثه معها في قوله تعالى :﴿ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾(يونس:
57) ؟ هل يدل الأول على
القلة ، والثاني على الكثرة ، و( موعظة ) مفردة مع الفعل في الآيتين ؟ وإن كان
تذكير ( موعظة ) في آية البقرة يدل على القلَّة في قراءة
الجمهور ، فكيف نوفق بينها ، وبين قراءة أبيًّ والحسن :﴿ فَمَنْ جَاءتْهُ مَّوْعِظَةٌ ﴾(البقرة:
275) ؟ ولو كان التأنيث يدل على الكثرة ، كما يزعم السامرائي
، لدل عليها تأنيث الفعل ( جَاءتْ ) مع (
الرُّسُلِ ) في قول الله عز وجل :﴿ وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا
إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى ﴾(هود: 69) . قيل : الرسل هنا هم الملائكة ، روي عن ابن عباس أنهم
كانوا اثني عشر ملكًا . وقال السدي : أحد عشر على صورة الغلمان في غاية الحسن
والبهجة . وحكى صاحب الفينان أنهم عشرة منهم جبريل . وقال الضحاك : تسعة . وقال
محمد بن كعب : ثمانية . وحكى الماوردي أنهم أربعة ، ولم
يسمهم . وجاء في رواية عن عثمان بن محيصن أنهم : جبريل ، وإسرافيل ، وميكائيل ،
ورفائيل عليهم السلام . وفي رواية عن ابن عباس ، وابن جبير : أنهم ثلاثة الأولون
فقط . وقال مقاتل : جبرائيل ، وميكائيل ، وملك الموت عليهم السلام . واختار بعضهم
الاقتصار على القول بأنهم ثلاثة ؛ لأن ذلك أقل ما يدل
عليه الجمع . وواضح من هذه الأقوال كلها أن ( الرُّسُلَ ) الذين جاؤوا إبراهيم- عليه وعليهم السلام- هم
قلَّة ، خلافًا لما في قوله تعالى :﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ﴾(يوسف:
110) ، حيث ذُكِّر الفعل مع ( الرُّسُلِ ) ، وهم كثرة . والغريب أن الدكتور السامرائي حين سئل في إحدى
لمساته البيانية عن سبب تذكير الفعل مرة وتأنيثه مرة ، مع لفظ (
الملائكة ) ، في نحو قوله تعالى :﴿
فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾(ص: 73) ، وقوله تعالى :﴿
فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ .. ﴾(آل
عمران: 39) ، لم
ينس القاعدة التي كان قد نسيها ، حين كان يبحث عن سبب تذكير لفظ ( منقعر ) ، وتأنيث لفظ ( خاوية ) مع ( أعجاز النخل ) ، فقال : «
الحكم النحوي : يمكن أن يؤنّث الفعل أو يُذكّر ، إذا كان الجمع جمع تكسير ؛ كما في
قوله تعالى :﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ﴾ ،
و﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ ﴾
، فيجوز التذكير والتأنيث من حيث الحكم النحوي »
. هذه القاعدة التي يردد ذكرها كثيرًا ، لم يطبقها على تذكير
الفعل وتأنيثه مع ( الملائكة ) ؛ لأنه يعلم أنه
لا يمكن تطبيقها ، وقد هداه تفكيره إلى قواعد أخرى أعجب بكثير من القاعدة الأولى ،
وقد سمّاها خطوطًا تعبيرية هي التي تحدد تأنيث ، وتذكير الفعل مع (
الملائكة ) ، وهذه الخطوط التعبيرية تجدها مع الرد عليها في مقال (
تذكير لفظ الفعل
وتأنيثه مع لفظ الملائكة ) . أما لفظ ( نِسْوَة ) في قوله تعالى :﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي
الْمَدِينَةِ ﴾(يوسف: 30) ، ولفظ ( أَعْرَاب
) في قوله تعالى :﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا
﴾(الحجرات: 14) فتجد الرد عليهما في
مقال ( وقال نسوة في المدينة
) . وأما ( أعجاز ) فهو من جموع القلة ،
مفرده : عجز ، ومثله : عنق وأعناق ، وضلع وأضلاع ، وكبد وأكباد ، وقفل وأقفال ،
وحمل وأحمال . وأما لفظ ( نخل )
فهو اسم جمع يدل على القلة أيضًا بخلاف ( نخيل ) ، ومفرده
: نخلة ، يذكَّر ويؤَّنث ، وقد اجتمع اللفظان معًا في هاتين الآيتين ، فجاز في
وصفهما التذكير نظرًا للفظ ، والتأنيث نظرًا للمعنى ، والتذكير لغة بني تميم ونَجْد
، والتأنيث لغة أهل الحجاز . وهذا ما غاب عن علم الدكتور السامرائي ، رغم
كونه دكتورًا في النحو ، وله فيه المؤلفات العظام . ثالثًا-
إذا كان السامرائي قد صحا من غفوته بعد ستة أشهر ، وتذكر قاعدته
المزعومة ، فقد غفل دون أن يصحو عن أن الآيات في سورة القمر ، وسورة الحاقة تتحدث
عن إهلاك قوم عاد . وقوم عاد هم همُ من حيث العدد ، سواء
كانوا كثرة ، أم قلة . ولم يلحظ الفرق بين تشبيههم بأعجاز النخل المنقعر تارة ، وتشبيههم
بأعجاز النخل الخاوية تارة أخرى ، وظن أنه لا فرق بين التشبيهين إلا من حيث أن
الوصف في الأول مذكر يدل على القلة ، وأن الوصف في الثاني مؤنث يدل على الكثرة
والمبالغة . وليس
الأمر كما ظن وتوهم ، وأوهم مستمعيه وسائليه . والفرق بين التشبيهين أوضح وأيسر
بكثير من أن يُتكلَّف في الجواب عنه ذلك التكلف ،
وتُنسَجَ حوله تلك الأسطورة . ولو أنه فكر فعلاً وأحسن التدبُّر ساعة من الزمن لا
ستة أشهر ، لأدرك أن الغرض من التشبيه في الآيتين ليس هو الإخبار عن كثرة أعجاز
النخل ، أو قلتها ؛ وإنما الغرض منهما هو الإخبار عن الكيفية التي تم فيها إهلاك
قوم عاد .. وأن إهلاكهم تم على مرحلتين : تحدثت آيات
القمر عن المرحلة الأولى منهما ، وتحدثت آيات الحاقة عن المرحلة الثانية التي تلت
المرحلة الأولى .. ولبيان ذلك نقول : 1- ذكر الله تعالى ( أعجاز النخل ) في القرآن في هذين الموضعين ، واختار لكل موضع
من الوصف ما يناسب اللفظ والمعنى معًا ، مع مراعاة الفاصلة القرآنية السابقة له
واللاحقة ، فقال سبحانه :﴿ كَأَنَّهُمْ
أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴾ ،
فأتى بلفظ ( منقعر ) مذكَّرًا نظرًا لتذكير لفظ ( أعجاز نخل ) ؛ لأن أعجاز جمع تكسير لمذكر ، مفرده ( عجز )
، وقال مرة أخرى :﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ ، فأتى بلفظ ( خاوية ) مؤنَّثًا نظرًا لتأنيث لفظ ( أعجاز نخل ) ؛ لأن جمع التكسير مؤنث في المعنى وتأنيثه غير حقيقي . ولو جاء النظم
معكوسًا هكذا :(
أعجاز نخل منقعرة ) ،
و( أعجاز نخل خاوٍ ) ، لكان ذلك فصيحًا ؛ ولكن لغة القرآن أفصح ،
لما فيها من ملائمة اللفظ للمعنى ، مع مراعاة الفاصلة القرآنية ، وهذا هو قمة
الإعجاز . 2- ( النزع ) في اللغة هو القلع .
ومعنى قوله تعالى :﴿
تَنْزِعُ النَّاسَ ﴾ . أي : تقلعهم من جذورهم . روي أنهم دخلوا الشعاب والحفر ، وتمسك
بعضهم ببعض ، فقلعتهم الريح ، فأصبحوا بعد القلع ( النزع ) ﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴾ . و(
الأعجاز ) هي الأصول بلا فروع ،
قد انقلعت من مغارسها . و( المنقعر ) هو المنقلع عن مغارسه ، المنقطع من أصله ، الساقط على الأرض . قال الراغب
الأصفهاني : وقعر الشيء : نهاية أسفله ، وقوله :﴿ كَأَنَّهُمْ
أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴾ .
أي : ذاهب في قعر الأرض . وقال بعضهم : انقعرت الشجرة : انقلعت من قعرها . وقيل :
معنى انقعرت : ذهبت في قعر الأرض . وإنما أراد تعالى :
أن هؤلاء اجتثوا من جذورهم ؛ كما اجتث النخل الذاهب في قعر الأرض من جذوره ، فلم
يبق لهم رسم ، ولا أثر . وقيل : شبههم في طول قاماتهم حين نزعتهم الريح ، وطرحتهم
على وجوههم بالنخل الساقط على الأرض التي ليس لها رؤوس ؛ وذلك أن الرّيح قلعت
رؤوسهم أولاً ، ثم كتّبتهم على وجوههم . ويزيد هذا التشبيه حسنًا أنهم كانوا ذوي
جثث عظام طوال . 3- أما
( الخاوية ) فهي الخالية بعد اقتلاعها وسقوطها على الأرض ، وهي من الخواء . وأصل الخواء :
الخلاء ، إلا أن بينهما فرقًا ، وهو : أن ( الخواء )
يكون عن كارثة ، بخلاف ( الخلاء ) . فإذا
رحل القوم عن ديارهم لأمر مَّا فهي خلاء ، يقال : خلت
الديار خلاء فهي خالية . وقوله تعالى :﴿ قَدْ
خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾(آل
عمران: 137) . أي : مضت ، وقوله تعالى :﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا
أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾(الحاقة: 24) قيل : الأيام الخالية : الماضية
، وقيل : الخالية من اللذائذ . وإذا رحل
القوم عن ديارهم لمصيبة ألمَّت بهم فهي خواء . يقال : خوت الديار خواء فهي خاوية
. قال تعالى
:﴿ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ﴾(النمل:
52) . أي
: خالية من أهلها بعد أن دمروا بسبب ظلمهم . وقيل : هذه الصفة في خراب
المنازل من أحسن ما يوصف به ، وهي مرحلة تأتي بعد الانقعار المتسبب عن النزع ؛
فكأن الريح تنزع الواحد منهم ، وتقعره ، فينقعر ، فيقع ، فيكون صريعًا ، فيخلو
الموضع عنه ، فيخوى . فالخواء لا يكون إلا بعد النزع والقعر ، وهو أقوى وأشد ؛ كما
يفيده الفعل ( ينزع ) الذي يدل على استمرار النزع ، والوصف ( منقعر ) الذي يدل على قلع الشيء من جذوره . قال تعالى :﴿ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ﴾(النمل:
52) . أي
: خالية من أهلها بعد أن دمروا بسبب ظلمهم . وقال تعالى في إهلاك قوم عاد :﴿ فَتَرَى
الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾(الحاقة:
7)
. أي : خالية الأجواف ، لا شيء فيها . والتخوية : ترك ما بين الشيئين خاليًا . ونظير الآية قوله تعالى :﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ
وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ﴾(البقرة: 259) . أي : متهدمة ساقطة على عروشها بعد خواء أهلها
منها . 4- وهكذا نرى أن قوله تعالى :﴿ فََتََرََى الْقَوْمَ فِِيهََا صَرْعَى
كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ إشارة إلى حالة تلي حالة الانقعار الشديد
المتسبب عن النزع بقوة . وهذا- كما قال الرازي- يفيد أن حكاية إهلاك قوم عاد في
آية القمر :﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ﴾ مختصرة ، حيث لم يشر إلى صرعهم وخواء منازلهم
عنهم بالكلية ؛ فإن حال الانقعار لا يحصل عنه الخواء التام ؛ إذ هو مثل الشروع في
الخروج والأخذ فيه . ومن ثمَّ يتبيَّن لنا أن الغرض من تشبيههم
بأعجاز النخل المنقعر هو الإخبار عن اقتلاعهم من جذورهم الضاربة في الأرض بقوة
وطرحهم على الأرض أمواتًا ، إذ كانوا قومًا جبارين ، ذوي جثث عظام طوال . وأن الغرض من تشبيههم بأعجاز النخل الخاوية هو الإخبار عن إهلاكهم
بالكلية وخواء منازلهم منهم ، وهذه مرحلة لا تتم إلا بعد التمهيد لها بما حدث في
المرحلة الأولى ؛ إذ كيف يتم إهلاك قوم جذورهم ضاربة في الأرض كقوم عاد دون اقتلاع
تلك الجذور الذاهبة في قعر الأرض ؛ كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله :﴿
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ *
إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي
لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ﴾(الفجر: 6- 8) ، وقوله تعالى : ﴿ فَأَمَّا عَادٌ
فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا
قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ
قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ
عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى
وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ ﴾(فصلت : 16) . قال ابن شجرة :« كانت الريحُ تدخل في أفواههم
، فتُخرجُ ما في أجوافهم من الحشوِ من أدبارهم ، فصاروا كالنخل الخاوية » . وقال يحيى بن سلام :« إنما قال : الخاوية ؛ لأن
أبدانهم خوت من أرواحهم ؛ مثل النخل الخاوية » . ومن هنا كان وصف ( أعجاز النخل ) التي شبهوا بها في آية القمر بـ( منقعر ) حملاً على لفظ ( أعجاز نخل ) أدلَّ على المعنى المراد من ( منقعرة ) بالتأنيث ،
وكان وصفها في آية الحاقة بـ( خاوية ) حملاً على معنى ( أعجاز نخل ) أدلَّ على المعنى المراد من ( خاوٍ ) بالتذكير . وأما القول بأن تذكير ( منقعر ) يدل على القلة ، وأن تأنيث ( خاوية ) يدل على الكثرة ، وبالتالي فإن ( أعجاز النخل الخاوية ) أكثر من ( أعجاز النخل المنقعر ) ، فهو قول من لا يعرف جوهر الكلام ، ولا يدرك
أسرار البيان ؛ لأن (
أعجاز النخل ) في الموضعين هي هيَ من
حيث العدد ، وليست العبرة في الكم ، وإنما العبرة قي الكيف ! رابعًا- بقي أن نذكر
أن المقارنة التي أجراها السامرائي بين آيات القمر ، وآيات فصلت ، وهي قوله : « لو نقرأ
الآيتين تتضح المسألة . قال في القمر :( إِنَّا
أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ) (19) ، ( تَنزِعُ
النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ) (20) يوم نحس ، يوم
واحد . بينما في الحاقة قال : ( وَأَمَّا
عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ) (6) ، زاد
العتو على الصرصر . هناك قال فقط : ( رِيحًا
صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ) . أما هنا
قال : ( بِرِيحٍ
صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ) . ثم قال :( سَخَّرَهَا
عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا ) (7) . أي :
التدمير سيكون أكثر ؟ » . أقول : هذه
المقارنة بين الآيات تدل على قصور في الفهم ، وجهل بقصة قوم عاد التي فصل الله عز
وجل القول فيها في سورة فصلت .. لقد ذكر السامرائي أن الريح في آية الحاقة وصفت
بالصرصر والعتو ( بِرِيحٍ
صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ) ، ونسي فضيلته أن هذه الريح في آية القمر
وصفت بالصرصر ، وأنها في يوم نحس مستمر ( رِيحًا
صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ) ، وهو يوم
شؤم عليهم ، مستمرٌّ ، ينزع الناس ، نساء ورجالاً ، كبارًا وصغارًا ، لم يغادر
منهم أحدًا حتى أهلكهم جميعًا . ثم زعم فضيلته أن التدمير في آية الحاقة كان أكثر ؛ لأنه فهم أن المراد من يوم النحس المستمر هو يوم واحد
من أيام الأسبوع . والصواب أن المراد بهذا اليوم مطلق الزمان ؛
كما نصَّ على ذلك غير واحد من المفسرين . ويدل على ذلك قوله تعالى في فصلت :﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي
أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ ﴾(فصلت: 16) ، وقوله سبحانه في الحاقة :﴿ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ لَيَالٍ
وثمانية أَيَّامٍ حُسُوماً ﴾(الحاقة: 7) . ومن قال منهم :
أن المراد به يوم الأربعاء فيحمل على معنى أن ابتداء إرسال الريح التي أهلكوا بها
كان في هذا اليوم ، لا أنه يوم واحد ، فلا ينافي ما جاء في فصلت والحاقة . ولو كان
يومًا واحدًا ، لتناقضت الآيات مع بعضها ، ولما كان في وصفه بأنه ( مستمرٌّ ) أية فائدة ؛ لأن اليوم الواحد لم يستمر ؛
وكأنه قيل : في زمن نحس مستمر . قال قتادة :« استمر بهم حتى بلغهم جهنم » .. فكيف يقال بعد هذا : التدمير في آية الحاقة أكثر .. فتأمل
، وتدبر ! نسأله سبحانه أن يجعلنا من الذين يحسنون التأمل والتدبر ، وأن يرزقنا
الفهم لكلامه ، له الحمد ، وله الفضل والمنة ! بقلم : محمد إسماعيل عتوك |
![]() |
| العودة للقسم |







جديد المفالات