صفحة المقالات
روابط فرعية
رتب
دليل العرب الشمامل
تسجيل دخول
اسم المستخدم :

كلمة المرور :


فقدان كلمة المرور ؟

إشترك الآن
استمع إلى القرآن الكريم



الإعجاز البياني: تذكير الفعل مع الملائكة وتأنيثه   بتاريخ: 2010/2/18
 
تذكير الفعل وتأنيثه مع لفظ الملائكة

تذكير الفعل وتأنيثه مع لفظ الملائكة

أولاً - سأل أحدهم : عن سبب تذكير الفعل مع لفظ ( الملائكة ) في قوله تعالى :﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾(ص: 73) ، وتأنيثه في قوله تعالى :﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ ﴾(آل عمران: 39) ؟

هذا السؤال كان قد وجِّه إلى الدكتور فاضل السامرائي في ( برنامج لمسات بيانية ) ، فأجاب عنه بالآتي :« قال تعالى في سورة ص :﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾ ، جاءت ( الملائكة ) هنا بالتذكير ، وفي سورة آل عمران :﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي .. ﴾ ، جاءت ( الملائكة ) بالتأنيث .  

الحكم النحوي : يمكن أن يؤنّث الفعل ، أو يُذكّر إذا كان الجمع جمع تكسير ، كما في قوله تعالى :﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ﴾(الحجرات: 14) ، و﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ ﴾(يوسف: 30) ، فيجوز التذكير ، والتأنيث من حيث الحكم النحوي .

اللمسة البيانية : أما لماذا اختار الله تعالى التأنيث في موطن ، والتذكير في موطن آخر فهو ؛ لأن في الآيات خطوطًا تعبيرية هي التي تحدد تأنيث ، وتذكير الفعل مع الملائكة ، وهذه الخطوط هي :

1- في القرآن الكريم كله كل فعل أمر يصدر إلى الملائكة يكون بالتذكير ( اسجدوا ، أنبئوني ، فقعوا له ساجدين ) .

2- كل فعل يقع بعد ذكر الملائكة يأتي بالتذكير أيضاً كما في قوله تعالى ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب) ، (الملائكة يشهدون ) ، ( الملائكة يسبحون بحمد ربهم ) .

3- كل وصف اسمي للملائكة يأتي بالتذكير ( الملائكة المقرّبون ) ، ( الملائكة باسطو أيديهم ) ، ( مسوّمين ، مردفين ، منزلين ) .

4- كل فعل عبادة يأتي بالتذكير :( فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ )(ص: 73) ، ( لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ )(التحريم: 6) ؛ لأن المذكر في العبادة أكمل من عبادة الأنثى ؛ ولذلك جاء الرسل كلهم رجالاً .

5- كل أمر فيه شِدّة وقوة ، حتى لو كان عذابين أحدهما أشدّ من الآخر ، فالأشدُّ يأتي بالتذكير :( إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ )(الأنفال: 50) ، ( يتوفى ) جاءت بالتذكير ؛ لأن العذاب أشد ( وذوقوا عذاب الحريق ) . أما في قوله تعالى :( فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ )(محمد: 27) . ( تتوفاهم ) جاءت بالتأنيث ؛ لأن العذاب أخفّ من الآية السابقة ( يضربون وجوههم وأدبارهم ) . وكذلك في قوله تعالى :( وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلاً )(الفرقان: 25) ، بالتذكير ، وقوله تعالى :( تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ )(فصلت 30) ، بالتأنيث . وقال في موضع آخر :« وهذه قاعدة في كل القرآن لا تتخلف في جميع القرآن » .

6- لم تأت ( بشرى ) ، بصيغة التذكير أبدًا في القرآن الكريم ، فكل بشارة في القرآن الكريم تأتي بصيغة التأنيث ؛ كما في قوله تعالى :( فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ )(آل عمران: 39) ، و( وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ )(آل عمران: 42)  » . وقال في موضع آخر :« هذا خط عام في القرآن لا يتخلف في تذكير وتأنيث الملائكة » .

هذا ما أجاب به الدكتور فاضل هنا ؛ ولكنه حين سئل في لمسة أخرى من لمساته عن سبب تذكير الفعل مع ( النسوة ) في قوله تعالى :﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ ﴾(يوسف: 30) ، أجاب بقوله :« تذكير الفعل يستعمل مع جمع التكسير ؛ ليفيد القِلّة ؛ كما جاء في الآية في سورة يوسف :( وَقَالَ نِسْوَةٌ )(يوسف: 30) ؛ لأن النسوة كانوا قِلّة ، وهذا بخلاف تأنيث الفعل ، فإنه يفيد الكثرة ؛ كما قال تعالى في آية أخرى في سورة الحجرات :( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا )(الحجرات: 14) ، ( قالت ) ، تفيد الكثرة هنا ؛ لأن الأعراب كثرة ، وفيهم قبائل متعددة ، فتاء التأنيث في الفعل تفيد التكثير » .

وفي لمسة أخرى أجاب الدكتور فاضل عن سبب مجيء صفة ( أعجاز النخل ) مرة بالتذكير ( تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ) (20) ( القمر ) ، ومرة بالتأنيث  ( كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) (7الحاقة ) ، فقال :« نحن لدينا قاعدة كنت غافلاً عنها :( أن التأنيث يفيد الكثرة ، والتذكير قد يفيد القلة ، والتأنيث قد يفيد المبالغة ) . ربنا قال :( وَقَالَ نِسْوَةٌ )(يوسف: 30) . قال :( قال ) ؛ لكن قال :( قَالَتِ الْأَعْرَابُ )(الحجرات: 14) ؛ لأن النسوة قليل ، والأعراب كثير . هذا في القرآن كثير ؛ فالتأنيث يفيد الكثرة » .

 وذكر الدكتور فاضل أيضًا هذه القاعدة في لمسة أخرى ، فقال :« جمع التكسير يجوز فيه التذكير والتأنيث :( نسوة ) ، جمع تكسير ، يبقى السبب ، تقول : أقبل الرجال ، وأقبلت الرجال . قالت الرسل ، وقال الرسل .. يبقى الاختيار ، نحن عندنا في هذا قاعدة ( أن التذكير يدل على القِلّة ، والتأنيث يدل على الكثرة ) ( قال نسوة ) قليلة ، ( قالت الأعراب ) كثير » .

ثانيًا – والسؤال الذي ينبغي أن يوجَّه هنا إلى الدكتور السامرائي : إذا كان لديه هذه القاعدة :( التذكير يدل على القِلّة ، والتأنيث يدل على الكثرة ) .. هذه القاعدة التي كرَّرها أكثر من مرة ، وطبقها على ( قال نسوة ) ، و( قالت الأعراب ) ، و( أعجاز نخل منقعر ) ، و( أعجاز نخل خاوية ) ، و( قال الرسل ) ، و( قالت الرسل ) ، فلماذا لم يطبقها على تذكير الفعل وتأنيثه مع ( الملائكة ) ؟ ولماذا عدل عنها إلى قواعد أخرى غيرها مفتعلة سمَّاها ( خطوطًا تعبيرية ) ؟ أغفل عنها- كما قال في قوله السابق- أم تجاهلها ؟ 

الظاهر أنه تجاهلها هنا تمامًا ؛ لأنه يعلم علم اليقين أن هذه القاعدة لا يمكن تطبيقها على تذكير الفعل وتأنيثه مع ( الملائكة ) . فلو قال هنا : تذكير الفعل في قوله تعالى :﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾(ص: 73) يدل على القلة ؛ كما دل عليها في قوله تعالى :﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ ﴾(يوسف: 30) ، ولو قال : تأنيث الفعل في قوله تعالى :﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ ﴾(آل عمران: 39) يدل على الكثرة ؛ كما دل عليها في قوله تعالى :﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ﴾(الحجرات: 14) .. لو قال ذلك ، لما صدقه أحد ؛ لأن الملائكة الذين سجدوا لآدم هم كثير ، هم الملائكة كلهم أجمعون ، بخلاف الملائكة التي نادت زكريا عليه السلام ، وهو قائم يصلي في المحراب ، قال أبو حيان في البحر :« ذكر الجمهور أن المنادي هو جبريل » ويؤيده أنه في مصحف عبد الله بن مسعود :( فَنَادَاهُ جِبْرِيلٌ وَهُوَ قَائِمٌ ) ، بدلاً من :﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ ﴾ .

ولهذا الذي ذكرناه اخترع الدكتور السامرائي هذا الجواب الذي أجاب به عن سبب تذكير الفعل وتأنيثه مع لفظ ( الملائكة ) ؛ وإلا فما معنى أن يقول هنا :

« أما لماذا اختار الله تعالى التأنيث في موطن ، والتذكير في موطن آخر فهو ؛ لأن في الآيات خطوطًا تعبيرية هي التي تحدد تأنيث ، وتذكير الفعل مع الملائكة » ،

وأن يقول في موضع آخر :

« جمع التكسير يجوز فيه التذكير والتأنيث ، ( نسوة ) جمع تكسير ، يبقى السبب ، تقول : أقبل الرجال ، وأقبلت الرجال . قالت الرسل ، وقال الرسل ، يبقى الاختيار نحن عندنا في هذا قاعدة ( أن التذكير يدل على القِلّة ، والتأنيث يدل على الكثرة ) ، ( قال نسوة ) قليلة ، ( قالت الأعراب ) كثير » ؟!

ثالثًا- ونعود بعد هذا إلى ( الخطوط التعبيرية ) التي ذكرها الدكتور السامرائي في جوابه عن تذكير الفعل وتأنيثه مع لفظ الملائكة ، فنقول :

1- أما ما ذكره في الخطوط الثلاثة الأولى التي سمَّاها ( خطوطًا تعبيرية ) فهو معلوم بداهة ، وأظن أن ذكره هنا هو من باب عرض العضلات لا أكثر ، ولا يخفى ما في ذلك من استخفاف بعقل المستمع ؛ فـ( الملائكة ) جمع تكسير لمفرد مذكر ( ملك ) ، فعندما يوجَّه إليهم فعل أمرٌ  ، فمن البَدَهيِّ أن بكون ذلك الفعل بالتذكير ؛ سواء كان ذلك في القرآن أو غيره ؛ ألا ترى كيف عبر عنهم بلفظ المفرد في قوله تعالى :﴿ وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صفّاً (الفجر: 22) ؟ فإذا أتى شيء من أوصفاهم بالتأنيث ، فلأنهم في معنى الجماعة ؛ كما في قوله تعالى :﴿ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ﴾(الصافات: 1) . قال ابن مسعود وقتادة ومسروق :« هم الملائكة ، تصف في السماء في العبادة والذكر صفوفًا ؛ وقيل : تصف أجنحتها في الهواء واقفة منتظرة لأمر الله » ، ويؤيده قولهم آخر السورة :﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ﴾(الصافات: 165- 166) ، فأتى وصفهم بالتأنيث تارة لتعلقه بجماعتهم ، وبالتذكير تارة أخرى لتعلقه بذواتهم ، خلافًا لما زعم الدكتور السامرَّائي .

2- أما قوله في الخط الرابع :« كل فعل عبادة يأتي بالتذكير ؛ لأن المذكر في العبادة أكمل من عبادة الأنثى ؛ ولذلك جاء الرسل كلهم رجالاً  »

فهو قول أغرب من الغريب ، ولا يمكن أن بصدر عن جاهل بلغة العرب ولغة القرآن ، فكيف يصدر عن عالم كبير مشهود له بسعة علمه ؟ ولو كان الأمر كما يزعم ، لما أتى الفعل مع الرسل بالتأنيث ، في نحو قوله تعالى :﴿ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ (الأعراف: 43) ، وهم رجال . وإذا كان الرسل كلهم رجالاً ، فهل يعني هذا أن المذكر في العبادة أكمل من الأنثى ؟ ولو كان يعلم لماذا جاء الرسل كلهم رجالاً ، لما صدر عنه هذا القول الذي هو أشبه بالنكتة . ولو أنه قرأ قول الله تعالى في قصة امرأة عمران :﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾(آل عمران: 36) ، لعلم أولاً : أن الذكر لم يفضل على الأنثى ؛ لأنه أكمل في العبادة منها ، ولعلم ثانيًا : لماذا جاء الرسل كلهم رجالاً ، ولم يأتوا إناثًا .

وأما لماذا أتى فعل السجود في قوله تعالى :﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ ﴾ بالتذكير ، ولم يأت بالتأنيث ، فلأن الأصل في لفظ ( الملائكة ) التذكير ؛ لأنه- كما سبق أن ذكرنا- جمع ( مَلَك ) ، وقد يعبر بلفظ المفرد عن الجمع ، هذا أولاً . وأما ثانيًا فلأن قوله تعالى :﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ ﴾ أخفُّ على اللسان لفظًا ، وأسرع في تنفيذ الأمر الموجه إليهم بالسجود ، من أنه لو قيل بالتأنث هكذا :( فَسَجَدَتِ الْمَلَائِكَةُ ) ؛ فالأمر بالسجود هو أمر الله عز وجل :﴿ فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾(ص: 72) ، وتنفيذ أمر الله عز وجل لا يحتمل التأخير ، والملائكة حريصون على تنفيذ أمر الله عز وجل بسرعة ؛ فهم ﴿ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾(التحريم: 6) ؛ ولهذا أخبر الله تعالى عنهم بقوله :﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾ .

فإذا عرفت هذا ، فاعلم أنه من البَدَهيِّ أن يخاطب الله عز وجل الملائكة بقوله :﴿ فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾ ، وأن يخبر عنهم بقوله :﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ ﴾ ، ﴿ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ ﴾ ، بتذكير الفعل المسند إليهم ، مع جواز مجيء هذا الفعل بالتأنيث ؛ ولكن يبقى التذكير هنا هو الأفصح والأجود لتعلقه بذوات الملائكة كمخلوقات عاقلة . ولو أتى الفعل بالتأنيث ، لدل على تعلقه بكونهم جماعة ، ويستوي في ذلك لفظ الملائكة وغيره ، مما هو على صيغة جمع التكسير للمذكر ؛ كالجن ، والشياطين ، وغيرهما . 

2- وأما قوله الثاني :« كل أمر فيه شِدّة وقوة ، حتى لو كان عذابين ، أحدهما أشدّ من الآخر ، فالأشدُّ يأتي بالتذكير ، والأخف يأتي بالتأنيث »

فهو قول لا يقل غرابة عما قبله ، والأغرب منه قوله :« وهذه قاعدة في كل القرآن لا تتخلف في جميع القرآن » . ولست أدري كيف يكون العذاب الأشد سببًا في تذكير الفعل ، والأقل سببًا في تأنيثه ؟! هذا إذا سلَّمنا معه بأن العذاب في آية الأنفال ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾(الأنفال: 50) أشد منه في آية محمد ﴿ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (محمد: 27) ، مع أن العذاب في الآيتين واحد . وأما استدلاله بقوله تعالى في آية الأنفال :﴿ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ على ما زعم فليس بشيء ، وإن لم تذكر هذه الجملة في آية محمد ، فلأن السياق يدل عليها ؛ فالملائكة لا يضربون وجوه الكفرة وأدبارهم إلا وهم يسوقونهم إلى جهنم ؛ ليذوقوا فيها عذاب الحريق . وإن كان ما زعمه الدكتور السامرائي صحيحًا ، فماذا يقول في قوله تعالى :﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (النحل: 28) ، ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (النحل: 32) ، حيث أتى فعل التوفي فيهما مسندًا إلى الملائكة بالتأنيث ؟

أما قوله تعالى في آية الأنفال ﴿ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ (الأنفال: 50) ففي فاعل ( يتوفى ) قولان : أحدهما : ( الملائكة ) ، وهو الظاهر . والثاني : ضمير مستتر يرجع إلى لفظ الجلالة ( الله ) ، والملائكة مبتدأ ، وجملة ( يضربون ) حالية . فعلى هذا القول يكون المعنى : إذ يتوفى الله الذين كفروا ، الملائكةُ يضربون ، ويدل عليه قوله تعالى :﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ﴾(الزمر: 42) .. وعلى القول الأول يكون المعنى : إذ يتوفى الملائكةُ الذين كفروا يضربون . وهذا هو الظاهر . قال أبو حيان :« والظاهر أن ( الملائكة ) فاعل ( يتوفى ) ، ويدلُّ عليه قراءة ابن عامر والأعرج ( تتوفى ) بالتاء ، وذكِّر في قراءة غيرهما ؛ لأن تأنيث ( الملائكة ) مجاز ، وحسَّنه الفصل » . وقال الشوكاني في فتح القدير :« قرأ الجمهور :( توفتهم ) ، وقرأ الأعمش :( توفاهم ) » ، فاحتمل- كما قال أبو حيان- أن يكون ماضيًا ، ومضارعًا حذفت منه التاء ؛ كما في قوله تعالى :﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ (النساء: 97) . أي : تتوفاهم ، فيكون كما في قوله تعالى :﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ (النحل: 28) ، وقوله تعالى :﴿ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ (محمد: 27) .

فمن قرأ ( يتوفى ) بالتذكير ، فلأن الأصل في لفظ ( الملائكة ) التذكير- كما تقدم – والذي حسَّنه هنا هو طول الفصل بين الفعل وفاعله ، وكلما طال الفصل ، كان حذف التاء أحسن وأجمل . ومن قرأ ( توفى ، وتفاهم ، وتتوفاهم ) ، فلآن ( الملائكة ) في معنى الجماعة ، وتأنيث الفعل مع الجماعة أحسن من تذكيره . يضاف إلى ذلك أن في قوله تعالى :﴿ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ (الأنفال: 50) بتذكير الفعل إشارة إلى ملك الموت وأعوانه الموكلين بقبض الأرواح ، وهم- كما في البحر لأبي حيان- ستة : ثلاثة لأرواح المؤمنين ، وثلاثة لأرواح الكافرين . قال الرازي : ثبت بالخبر أن ( عزرائيل ) هو ملك الموت على ما قال تعالى :﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ (السجدة: 11) . وأما قوله :﴿ حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا (الأنعام: 61) ؛ فذلك يدل على وجود ملائكة موكلين بقبض الأرواح ، ويجوز أن يكون ملك الموت رئيس جماعة وكلوا على قبض الأرواح . قال تعالى :﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾(الأنفال: 50) » ؛ ولهذا أتى الفعل ( يتوفى ) بالتذكير ، خلافًا لما في الآيات الأخرى .  

أما تشديد ( نُزِّل ) في قوله تعالى :﴿ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلاً ﴾(الفرقان: 25) ، وتشديد ( تَتَنَزَّلُ ) في قوله تعالى :﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ ﴾(فصلت 30) فللمبالغة ، وليس في تأكيد الأول بالمصدر ( تنزيلاً ) دلالة على أن التنزيل فيه أشد أو أقوى من الثاني ؛ وإنما فيه دلالة على أنه تنزيل عجيب غير معهود ، وأنه أسرع من الثاني ؛ لكون الفعل ماضيًا مذكَّرًا . ولو قيل :( وَنُزِّلَتْ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلاً ) بتاء التأنيث ، لكانت سرعة الفعل أقل منها في قراءة العامة بتذكير الفعل ، ومع ذلك يجوز تأنيثه ، وبهما قرئ جميعًا . ذكر الألوسي في روح المعاني في ( نُزِّل ) عشرَ قراءات ، وذكر فيه السمين الحلبي في الدر المصون اثنيْ عشْرةَ قراءة : ثِنْتان في المتواتِر ، وعشَرةٌ في الشاذ . فقرأ ابن كثير من السبعة :( ونُنْزِلُ ) ، بنون مضمومة ثم أخرى ساكنة وزايٍ خفيفة مكسورة ، مضارع ( أَنْزَلَ ) ، و( الملائكةَ ) ، بالنصب مفعول به . وقرأ الباقون من السبعة :( ونُزِّلَ ) ، بضمِّ النون وكسر الزاي المشدَّدة وفتح اللام ، ماضيًا مبنيًّا للمفعول ، و( الملائكةُ ) ، بالرفع ، لقيامة مقام الفاعل . ثم ذكر السمين من القراءات العشرة التي سمَّاها شاذة قراءة أُبَيٌّ :( وَنُزِّلَتْ ) بتاء التأنيث ، ماضيًا مشدَّدًا مبنيًّا للمفعول . ففاعل ( نُزِّل ) في الحقيقة هو لفظ الجلالة ( الله ) ، ثم بُنيَ الفعل للمفعول ، وقام المفعول به ( الملائكة ) مقام الفاعل .

3- وأما قوله الثالث :« لم تأت ( بشرى ) بصيغة التذكير أبدًا في القرآن الكريم ، فكل بشارة في القرآن الكريم تأتي بصيغة التأنيث ؛ كما في قوله تعالى :﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ ﴾(آل عمران: 39) ، و﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ ﴾(آل عمران: 42- 45) » ، ثم قوله :« هذا خط عام في القرآن لا يتخلف في تذكير وتأنيث الملائكة » .

فقد جاء تأنيث الفعل فيهما على الأحسن ، ويجوز فيهما التذكير ، وبهما قرئ جميعًا . قال أبو حيان في البحر والسمين الحلبي في الدر المصون :« وقرأ عبد الله بن مسعود ، وابن عمرو :( وَإِذْ قَالَ الْمَلآئِكَةُ ) ، دون تاء تأنيث » ؛ فمن قرأ :( قَالَ الْمَلآئِكَةُ ) بالتذكير فعلى الحمل على اللفظ ؛ لأن ( الملائكة ) جمع ( مَلَك ) ، وفيه دلالة على سرعة القول ، ومن قرأ :﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ ﴾ بالتأنيث فعلى تأويل الجماعة ؛ لأن ( الملائكة ) جماعة .

والقراءتان جائزتان ؛ ولكن التأنيث أحسن من التذكير هنا ؛ لأن في تأنيث الفعل مع الملائكة ، وفي نداء الملائكة لمريم باسمها ( يَا مَرْيَمُ ) تأنيس لها ، وتوطئة لما تلقيه إليها من البشارة . وهذا يعني أن تأنيث الفعل لم يكن بسبب البشارة ؛ لأنه جرى في أول القصة أن تمثَّل لها جبريل عليه السلام بصورة بشر ﴿ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً (مريم: 17) ، حتى ظنت أنه يريدها بسوء ، فاستعاذت بالرحمن منه ، وقالت :﴿ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴾(مريم: 18) ؛ ولذلك جاء خطابها هنا بخلافه في أول القصة ؛ إذ بُنِيَ من أوله على الأمن الذي يفيده تأنيث الفعل ﴿ قَالَت ﴾ ، والبشارة التي تلت هذا الخطاب ، وهي قوله تعالى في آل عمران :﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ﴾(آل عمران: 42) ، وقوله تعالى :﴿ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾آل عمران: 45) .

ومثل ذلك يقال في زكريا عليه السلام :﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ﴾(مريم: 3) ، حيث تصوَّر نفسه بعيدًا من ربه بذنوبه ، وأحواله السيِّئة ؛ كما يكون حال مَن يخاف عذابه ، فنادى ربه ذلك النداء الخفي الذي يفصح به عما في نفسه . ولما كان في محرابه قريبًا من ربه ﴿ هنالك دعا زكريا ربه قال ربِّ هبْ لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء (آل عمران: 38) ، فتقبل الله دعاءه ، ووهب له يحيى ، وبعث إليه الملائكة بذلك ، ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى (آل عمران: 39) .

قال أبو حيان في البحر :« قيل : النداء يستعمل في التبشير ، وفيما ينبغي أن يسرع به ، وينهى إلى نفس السامع ليُسرَّ به ، فلم يكن هذا إخبارًا من الملائكة على عرف الوحي ؛ بل نداءً ؛ كما نادى الرجل الأنصاري كعب بن مالك ، من أعلى الجبل . قاله ابن عطية ، وغيره . ولا يظهر ذلك ؛ بل المناداة تكون لتبشير ، ولتحزين ، ولغير ذلك ؛ كما جاء :« يا أهل النار خلود بلا موت » ، وجاء :﴿ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً (غافر: 3) ؛ وإنما فهمت البشارة في الآية من قولهم :﴿ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ ، لا إن لفظ ( نادته ) يدل على ذلك ، لا بالوضع ولا بالاستعمال » .

فتأنيث الفعل ( نادته ) لم يكن بسبب البشارة ، بدليل أنه قرىء :( فناداه الملائكة ) بتذكير الفعل . قال الشوكاني في فتح القدير :« قوله :﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ ﴾ ، قرأ حمزة والكسائي :( فَنَادَاهُ ) ، وبذلك قرأ ابن عباس ، وابن مسعود » . وقال ابن عجيبة في البحر المديد :« و( الملائكة ) جمع تكسير ، يجوز في فعله التذكير والتأنيث ، وهو أحسن . فمن قرأ :( فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ ) فعلى تأويل الجماعة ، ومن قرأ :( فَنَادَاهُ ) أراد تنزيه الملائكة عن التأنيث ، ردًّا على الكفار » . وقال ابن عادل في اللباب والسمبن الحلبي قي الدر المصون :« وفي قراءة عبد الله :( فنادَتْه الملائكة يا زكريا ) » ، فتكون الآية على هذه القراءة ؛ كقوله تعالى في الآية السابقة :﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ .

وقال السمين الحلبي :« قولُه تعالى :﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ (آل عمران: 39) ، قرأ الأخَوان :( فناداه ) ، من غيرِ تاء تأنيث ، والباقون :( فنادَتْه ) ، بتاء التأنيث . والتذكير والتأنيث باعتبار الجمع المُكسَّر ، فيجوز في الفعل المسند إليه التذكيرُ باعتبار الجمع ، والتأنيثُ باعتبار الجماعة ؛ ومثل هذا :﴿ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ ﴾(الأنفال: 50) ، يُقرأ بالتاء والياء ، وكذا قوله :﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ ﴾(المعارج: 4) ، قال الزجاج : يَلْحقها التأنيث للفظ الجماعة ، ويجوز أن يُعَبَّر عنها بلفظ التذكير ؛ لأنه يقال : جمع الملائكة ؛ وهذا كقوله :﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ ﴾(يوسف: 30) . قال : وإنما حَسَّنَ الحذفَ هنا الفصلُ بين الفعل وفاعله » .

وأضاف السمين قائلاً :« وقد تجرَّأ بعضهم على قراءة العامة ، فقال : أكرهُ التأنيث ، لما فيه من موافقة دعوى الجاهلية ؛ لأن الجاهلية زعمت أن الملائكة إناث . وتجرَّأ  أبو البقاء على قراءة الأخوين ، فقال : وكره قوم قراءة التأنيث لموافقة الجاهلية ؛ فلذلك قرأ مَنْ قرأ :( فناداه ) ، بغير تاء ، والقراءة به غير جيدة ؛ لأن الملائكة جمع ، وما اعتلُّوا به ليس بشيء ؛ لأن الإجماع على إثبات التاء في قوله :﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ ﴾(آل عمران: 42) .. وهذان القولان الصادران من أبي البقاء وغيرِه ليسا بجيدين ؛ لأنها قراءتان متواترتان ، فلا ينبغي أن تُرَدَّ إحداهما البتة » .

رابعًا- نخلص ممَّا تقدم إلى أن لفظ ( الْمَلاَئِكَة ) جمع تكسير على غير قياس ، مفرده :( مَلَك ) . و( مَلكٌ ) وزنُه ( فَعَلٌ ) ، من المِلْك على أحد الأقوال فيه ، ويجمَع على :( أملاك ) ، وشذَّ جمعه على ( مَلائِكَةٍ ) . وأما ( المَلَكُ ) في قوله تعالى :﴿ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا ﴾(الحاقة: 17) ، وقوله تعالى :﴿ وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صفّاً (الفجر: 22) فهو اسم الجنس ، ويراد به ( الْمَلاَئِكَةُ ) . وتاء ( ملائكة ) لتأنيث الجمع ، وهو قول الجمهور . وقيل : للمبالغة ؛ كـ( عَلاّمة ) ، و( نسَّابة ) ، وليس بشيء ، وقد ورد بغير تاء شذوذًا في قول الشاعر :

أبا خالد صلَّت عليك المَلائكُ

وهو اسم عام يحتمل التخصيص ؛ كما في قوله تعالى :﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي (آل عمران: 39) ، ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ ﴾(آل عمران: 42-45 ) ، ﴿ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ ﴾(محمد: 27) ، والمراد- على ما قيل- في الآية الأولى والثانية جبريل عليه السلام ، وفي الآية الثالثة ملك الموت ، وجاء كل منهما بصيغة الجمع تعظيمًا له . وقيل : المراد هو وأعوانه . قال المفضل بن سلمة :« إذا كان القائل رئيسًا ، جاز الإخبار عنه بالجمع لاجتماع أصحابه معه » . فلما كان جبريل رئيس الملائكة ، وعزرائيل رئيس جماعته ، وقلما يبعثان إلا ومعهما جماعتهما ، صح ذلك . ومثله في القرآن :﴿ الذِّينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ (آل عمران: 173) ، وهم نعيم بن مسعود ، وهو واحد .

فلما كان لفظ ( الملائكة ) يحتمل التخصيص ، قال تعالى :﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾(ص: 73) ، فأكَّد السجود بقوله :﴿ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾ ، فانقطع بذلك احتمال التخصيص . وسئل أَحمد بن يحيى المعروف بـ( ثعلب ) عن توكيد السجود بـ﴿ كُلُّهُمْ ﴾ ، ثم بـ﴿ أَجْمَعُونَ ﴾ ، فقال :« لما كانت ( كُلُّهُمْ ) تحتمل شيئين : تكون مرة اسمًا ومرة توكيدًا ، جاء بالتوكيد الذي لا يكون إِلا توكيدًا حَسْبُ » ، وهو ( أجْمَعُونَ ) .

ولكون لفظ ( الْمَلاَئِكَةِ ) جمع ( مَلَك ) و( مَلَك ) مذكر ، جاز تذكير الفعل معه ؛ كما يذكر الفعل مع المفرد ، ويدلك على ذلك أنه بمنزلة الواحد ، في أن إعرابه كإعرابه ، ومجراه في كثير من الكلام مجرى اسم الجنس . ولكونه في معنى ( الجماعة ) جاز تأنيث الفعل معه . والتأنيث فيه أحسن ، إذا باشر فاعله ، دون فاصل ؛ كما في قوله تعالى :﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ ﴾(آل عمران: 43) ، ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ ﴾(القدر: 4) ، ﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ ﴾(المعارج: 4) . وربما ذكِّر الفعل معه مع المباشرة ، لتذكير لفظه ؛ كما في قوله تعالى :﴿ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ ﴾(الفرقان: 25) ، ﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ ﴾(ص: 73) .

وإذا فصل بينه وبين فاعله بفاصل ، كان الأحسن فيه التذكير ؛ كما في قوله تعالى :﴿ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ ﴾(الأنفال: 50) ، ﴿ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ ﴾(الزخرف: 53) ، ﴿ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ (الفرقان: 21) . وربما أُنِّث الفعل معه مع الفصل ، لإرادة معنى الجماعة ؛ كما في قوله تعالى :﴿ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ ﴾(فصلت 30) .

فإذا عرفت هذا ، فاعلم- إضافة لما تقدم- أن الفرق بين تأنيث الفعل مع ( الملائكة ) ، وتذكيره من وجهين : أحدهما لفظي ، والثاني معنوي .

فأما اللفظي فهو : إذا فصل بين الفعل ، و( الملائكة ) بفاصل كان الأحسن فيه التذكير ، وكلما طال الفصل وبعد الفعل عن فاعله قوي حذف التاء من الفعل ، وكلما قرب الفعل من فاعله قوي إثباتها فيه ، ويكون الإثبات أقوى من الحذف إذا باشر الفعل فاعله دون فاصل . 

وأما المعنوي فهو : أن ( الْمَلَائِكَةِ ) في الأصل مذكر ؛ لأنه جمع ( مَلَك ) ، وأنه بمنزلة المفرد في أن إعرابه كإعراب المفرد ، ومجراه في كثير من الكلام مجرى اسم الجنس ، فإذا أسند إليه فعل أتى بالتذكير ؛ كما يأتي مع المفرد ، فتقول : جاء الملائكة ، وجاء الملك . ومما يدلك على أنه يجري مجرى اسم الجنس قوله تعالى :﴿ وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صفّاً (الفجر: 22) ، والمراد : الملائكة ؛ ولكنه أنِّث في أغلب الآيات حملاً على معنى الجماعة ؛ لأن ( الْمَلَائِكَةِ ) جماعة ، ويدلك على ذلك قوله تعالى :﴿ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ﴾(الصافات: 1) ، ونحوه .

والتأنيث هو الأحسن- كما ذكرنا- ولكن لما كانت الجاهلية تزعم أن ( الْمَلَائِكَةِ ) إناثٌ ، أوثر تذكير الفعل في بعض المواضع على تأنيثه ، لتعلق ذلك الفعل بذواتهم العاقلة ؛ ولهذا كان ابن مسعود يذكِّر الفعل مع ( الْمَلَائِكَةِ ) في جميع القرآن ؛ كما في قوله تعالى :﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ ﴾(المعارج: 4) ، ففي قراءته :( يَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ ﴾ ، بالياء ، وهي قراءة الكسائي والسلمي . وقوله تعالى :﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ ﴾(آل عمران: 43) ، ففي قراءته :( وَإِذْ قَالَ الْمَلاَئِكَةُ ) . وروى ابن المنذر وابن مردويه عنه في قوله تعالى :﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ ﴾(آل عمران: 39) ، أنه كان يقول :« ذكِّروا الملائكة ، ثم تلا :﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى (النجم: 27) ، وكان يقرؤها :( فَنَادَاهُ الْمَلآئِكَةُ ) ، ويذكِّر في جميع القرآن . وأخرج الخطيب عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها كذلك » .

بقي أن تعلم أن ما أتى من أفعال مع ( الملائكة ) بصيغة المضارع فوجهه ظاهر ، وهو دلالته على تجدد الفعل واستمراره ، وأما ما أتى منها بصيغة الماضي فإنه يدل على سرعة الفعل ، وما كان من هذه الأفعال الماضية بحذف التاء ، كان أسرع في الحدوث مما أثبتت فيه التاء ؛ كما في قوله تعالى :

﴿ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلاً(الفرقان: 25) .

﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾(ص: 73) .

﴿ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴾(الزخرف: 53) .

﴿ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ (الفرقان: 21) .

فالفعل في هذه الآيات الأربعة جاء بصيغة الماضي المذكر للدلالة على سرعة الفعل ، ولو جاءت هذه الأفعال بالتأنيث ، لما دلت على ما دلت عليه وهي بالتذكير ، ويمكنك ملاحظة هذا الفرق من خلال المقارنة بين : ( نزل الملائكة ) ، ونزلت الملائكة ) ، وبين ( فسجد الملائكة ) ، و( سجدت الملائكة ) ، وبين ( جاء معه الملائكة ) ، و( جاءت معه الملائكة ) ، وبين ( لولا أنزل علينا الملائكة ) ، و( لولا أنزلت علينا الملائكة ) .. والله تعالى أعلم بأسرار كلامه !  

بقلم : محمد إسماعيل عتوك

 

 تحظير للطباعة أخبر صديقك
العودة للقسم
أقسام المقالات
جديد المفالات
أفضل المقالات
مواقع مشابهة
 
 
الكوثر للبرمجيات جميع الحقوق محفوظة لموقع أسرار الإعجاز البياني في القرآن الكريم