الفرق بين
( أعدَّ ) و(
أعْتدَ )
قال الله عز وجل في سورة الأحزاب :﴿
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا
وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ﴾(الأحزاب: 35) . وقال سبحانه في النساء :﴿ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ
عَذَاباً مُّهِينًا ﴾(النساء:151) .
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : لم أتى التعبير عن العذاب المهين الذي
أعده سبحانه للكافرين بالفعل ﴿ أَعَدَّ ﴾ في آية الأحزاب ، وبالفعل ﴿
أَعْتَدْنَا ﴾ في
آية النساء ، والعذاب واحد في الآيتين ؟ وهل من فرق بين الفعلين ؟ وفي الإجابة عن
ذلك نقول بعون الله وتعليمه :
أولاً- (
أَعَدَّ ) على وزن ( أَفْعَلَ ) ، وأصله :( أَعْدَدَ ) ، نقلت حركة الدال الأولى إلى العين ، ثم أدغمت
في الدال الثانية ، وهو من ( عدَّ ) الثلاثي المضعَّف ، و( العين والدال المشددة ) أصل صحيح واحد ، لا يخلو من معنى ( العَدّ ) الذي هو الإحصاء ، ومن معنى ( الإعداد ) الذي هو تهيئة الشيء . وإلى
هذين المعنيين ترجع فروع الباب كلها .
1- فمن ( العَدِّ ) الذي هو الإحصاء يقال : عدَّ الشيءَ أعُدَّه عَدًّا ، بفتح العين ،
وعِدَّةً ، بكسر العين ، فأنا عادٌّ والشيءُ معدودٌ . قال تعالى :﴿ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا
نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ﴾(مريم: 84) ، ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا
عَشَرَ شَهْرًا ﴾(التوبة: 36) . وقد قال الله عز وجل :﴿ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴾(الجن:
28) .
2- ومن ( الإِعدادِ ) الذي هو التهيئة يقال : أَعدَّ الشيءَ يْعِدُّه إِعْدادًا ، وعُدَّة ، بضم العين ، فهو
مُعِدٌّ والشيء مُعَدٌّ . قال تعالى :﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ ﴾(الأنفال: 60) ، ﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ
عُدَّةً ﴾(التوبة: 46) .
ثانيًا- أما ( أَعْتَدَ ) فاختلف فيه علماء العربية على قولين :
أحدهما : أنه ( أَفْعَلَ ) من ( العُدَّة ) ، وأصله :( أَعْدَدَ ) ، فأبدل من إحدى الدالين تاء ، والمعنى واحد . وعليه يكون ( أَعْتَدْنَا ) بمعنى :( أَعْدَدَنَا ) ، لا فرق بينهما ، وهذا قول الجمهور .
والثاني : أنه (
أَفْعَلَ ) من ( العَتَاد ) ، وأصله :( أَعْتَدَ ) ، والتاء فيه أصلية ، وليست بمبدلة من دال .
وهذا القول الثاني هو الصواب ، والله أعلم ،
وفعله الثلاثي ( عَتُدَ ) على وزن ( فَعُل ) بضم العين ، و( العين والتاء والدال ) أصل واحد يدل على ( حضور وقرب ) . تقول : عَتُدَ الشيء
يَعتُد عَتادًا ، فهو عَتيدٌ . والعَتيدُ : الحاضرُ أو القريب ، وبهما فُسِّر قول
الله تعالى :﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾(ق:
18) . أي : مُعَدٌّ
مُهَيَّأٌ حَاضِرٌ لكتابة ما أمر به . وقيل : قريب . وقوله تعالى :﴿ هذا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ ﴾(ق: 23) . أي : يقول الكافر : هذا ما عندي وفي ملكتي
حاضر لجهنم ، قد هيأته لها بإغوائي وإضلالي .
و( العَتَاد ) في الأصل هو ادِّخارُ الشيء وإعدادُه حتى يكون
عَتيدًا ، متى احتيج إليه . أي : يكون حاضرًا . وقيل : العَتادُ كالعُدَّة ، وهو
الشيء الذي يُعَدُّ لأمر جلل ويُهيَّأُ له . يقال : أخذ للأمر عُدَّتَهُ
وعَتَادَهُ . أي : أُهْبَتَهُ وآلَتَهُ . وقيل : العَتَادُ : الشيء الثابت اللازم . وأَعتَدْت الشيء إِعْتادًا . أي
: هيَّأته وأحضرته ، فأنا مُعْتِدٌ والشيءٌ مُعتَدٌ .
ثالثًا- نخلص مما تقدم إلى أن الفرق بين ( أعدَدْنَا ) ، و( أَعْتَدْنَا ) من وجهين :
أحدهما : أن (
أعدَدْنَا ) من العُدَّةُ ، وهي تهيئة الشيء لأمر يحدث في المستقبل .
وثانيهما : أن ( أَعْتَدْنَا ) من العَتَاد ، وهو تهيئة الشيء لأمر حادث لا
محالة ؛ سواء كان حدوثه في الحاضر ، أو كان في المستقبل ، ويقتضي معنى الحضور أو
القرب ، خلافًا للأول .
وعلى الأول ورد ما أخبر الله تعالى عنه في
القرآن ، ممَّا (
أَعَدََّّه ) للمؤمنين والكافرين في
الآخرة من الثواب والعقاب ، وجعله في انتظارهم ؛ كما في قوله تعالى في حق المؤمنين
:﴿ وَالسَّابِقُونَ
الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم
بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ
تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ ﴾(التوبة: 100) ، وقوله تعالى في حق الكافرين :﴿
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا
وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ﴾(الأحزاب: 35) .. فهذا النوع من الثواب
والعقاب قد أعدَّ لهم في الآخرة ، يجدونه في انتظارهم ،
بعدما يغادرون دنياهم .
وعلى الثاني ورد ما أخبر
الله تعالى عنه في القرآن ، ممَّا ( أَعْتَدَه ) للمؤمنين والكافرين في الآخرة من الثواب والعقاب ، وجعله حاضرًا
معهم في دنياهم ، يلازمهم كظلِّهم ، يحملونه معهم إلى آخرتهم ؛ كما في قوله تعالى في أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم :﴿ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً
نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيمًا ﴾(الأحزاب: 31)
، وقوله تعالى في حق الكافرين :﴿ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ
عَذَاباً مُّهِينًا ﴾(النساء:151) . أي : هيَّأنا لهم عذابًا مهينًا ، وجعلناه حاضرًا
معهم كالعتاد يحملونه في دنياهم إلى آخرتهم . قال الزجاج :« معناه : جعلنا ذلك عتادًا لهم . أي : مُثبتًا لهم » .
وهذا النوع الثاني من الجزاء لا يكون إلا
للمؤمنين المحكوم عليهم بالثبات على الإيمان والموت عليه ، وللكاقرين المحكوم
عليهم يالثبات على الكفر والموت عليه ، خلافًا للمؤمنين والكافرين في الوجه الأول
. ومن يدري فقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن ، يصرفها كيف يشاء بما
لا يقدر عليه صاحبها . عن أم سلمة رضي الله عنها ، وقد سألت رسول الله صلى الله
عليه وسلم عن إكثاره الدعاء بـ( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ) ، فقال لها :« يا أم سلمة ! إنه ليس
آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله تعالى ، فمن شاء أقام ، ومن شاء أزاغ » . وقد قال الله تعالى
:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ
إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾(الأنفال: 24) . عن ابن عباس رضي
الله تعالى عنهما ، قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ، فقال عليه
الصلاة والسلام :« يحول بين المؤمن والكفر ويحول بين الكافر
والهدى
» ؛ ولهذا لم يجعل الله تعالى جزاء هؤلاء عتادًا
يلازمهم في دنياهم ، كما جعله لمن حكم عليهم بالثبات على الإيمان والكفر ، والموت
عليهما .. وتأمل ذلك في القرآن تجده على ما ذكرنا ، إن شاء الله !
رابعًا- وقد عجبت من الدكتور فاضل السامرائي ، كيف خلط بين ( الحضور ) و( التحضير ) في جوابه عن الفرق بين ( أعدَّ ) و( أعتَدَ ) ، وكان قد سأل نفسه عند قوله تعالى من سورة
الإنسان :﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ
وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا ﴾(الإنسان: 4) ، فقال :«
القرآن الكريم يستعمل ( أعتدنا ) ، و(
أعددنا ) ، فلماذا استخدم هنا ( أعتدنا )
؟ » .
وأجاب عن ذلك بقوله
:« لأن ( أَعْتَدَ ) فيها حضور
وقرب ... أما ( الإعداد ) فهو التهيئة ، وليس بالضرورة الحضور ؛ كما في
قوله تعالى :﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾ ، بمعنى هيِّؤوا ، وليس حضِّروا » .
ولست أدري ، كيف يُهيَّأُ للأمر دون التحضير له
؟ وكيف يأمرنا ربنا بأن نعد للعدو ما استطعنا من قوة ،
دون أن يأمرنا بالتحضير لهذه القوة ؟ وهل هناك من فرق بين التهيئة التي هي الإعداد ، والتحضير ؟ ثم كيف يحذر الله عز وجل الناس من النار ويدعوهم إلى اتقائها في قوله تعالى :﴿
فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ
لِلْكَافِرِينَ ﴾(البقرة: 24) ، إن لم يكن سبحانه قد حضَّرها لهم ؟ وكيف يعدُّ الله تعالى
للمحسنات أجرًا عظيمًا ، في قوله سبحانه :﴿
أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾(الأحزاب:
35) ، دون أن يحضر لهن ذلك
الأجر العظيم ؟
ومن الواضح أن الدكتور
فاضل خلط في قوله السابق بين حضور الشيء ، والتحضير
للشيء ، فلم يفرق بينهما . ومعنى الآية التي استشهد بها :( هيئوا لحرب عدوكم كل ما يُتقوَّى به في الحرب كائنًا
ما كان ) . أي : هيِّئوا
وحضِّروا . والمراد : أن الصحابة لما قصدوا الكفار يوم بدر ، بلا آلة ولا عدة ،
أمرهم الله تعالى ألا يعودوا لمثله ، وأن يعدُّوا للكفار ما أمكنهم من آلة وعدة
وقوة ، تنبيهًا لهم أن النصر من غير استعداد لا يتأتى في كل زمان . والإعداد : اتخاذ الشيء لوقت الحاجة . والمراد بالقوة : الآلات
التي تكون لكم قوة عليهم من الخيل والسلاح . وعن ابن
عباس- رضي الله عنهما- أنه فسَّر القوة في الآية بأنواع الأسلحة .. فكيف يكون التهيؤ والاستعداد لحرب العدو
بأنواع الأسلحة دون تحضير لها ؟
وأنت إذا تأملت معنى الآيات التي ورد فيها ( أَعَدَّ ) ، و( أَعْتَدَ ) ، تجد أن كلا الفعلين يقتضي معنى التحضير ،
والفرق بينهما كما ذكرنا : أن الثاني يقتضي مع الإعداد والتحضير معنى الحضور ،
بخلاف الأول . والفرق بين الحضور ، والتحضير فرق ما بين السموات والأرض .. أسأله
سبحانه أن يلهمنا الصبر ، وأن يجعلنا من الذين يفقهون كلامه ، ويدركون أسرار بيانه
، إنه خير مسئول ، والحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان ، وصلى الله تعالى
على محمد خير الأنام ، وعلى آله وصحبه الكرام ، وسلم تسليما كثيرًا .
بقلم : محمد إسماعيل عتوك
أرسل
أحد الإخوة يسألني عن توضيح الفرق بين ( أعدَّ ) ، و( وأَعْتَدَ
) ، بعد أن قرأ مقالي السابق ، وهذا نصُّ رسالته كما وردت :« الأستاذ
الفاضل / محمد إسماعيل عتوك .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. جزاك الله عنا خير
الجزاء ، وبارك الله بعلمكم ، ونفع بكم الإسلام والمسلمين .
لقد اطلعت
على بحثك القيم ( الفرق بين أَعَّدَ ، وأَعْتَدَ ) ، والحقيقة استفدت
كثيرًا ، فأنتم أهل لغة بارك الله لكم ؛ ولكن لدي تساؤل : أليس كل شيء هو حاضر عند
ربي ؟ فمثلاً حين يحدثنا الله تعالى عن عذاب أعده للكافرين ، نسأل الله العافية ، ومثال
ذلك ما استدللتم
به في بحثكم الكريم في قوله تعالى :﴿ وَأَعَدَّ
لَهُمْ عَذَاباً مُّهِينًا ﴾ .
الحقيقة وجدت
صعوبة في التفريق بين هذه الآية الكريمة ، والآية الكريمة التالية :﴿ وَأَعْتَدْنَا
لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِينًا ﴾ ، فالمتحدث
هو الله تعالى ، وكل شيء حاضر عنده سبحانه .. هل يمكن أن توضح لي أكثر فضيلة
الأستاذ ؛ لعل الله
أن يفتح عليَّ بفهم على يديكم .. وجزاكم
الله خير الجزاء » .
فأجبته بقولي :« وعليكم السلام ورحمة الله
وبركاته .. أما بعد :
فمما لا شك فيه أن كل شيء حاضر
في علم الله جل وعلا ، مشاهد عنده سبحانه ، وهو القائل :﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن
مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ
وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾(يونس: 61) ؛ ومن ذلك ما ( أَعَدَّه ) جل وعلا ، و( أَعْتدَهُ ) للمؤمنين وللكافرين من الثواب
والعقاب .
والحضور الذي يقتضيه ( الإعتاد ) للكافرين من العذاب المهين في
قوله تعالى :﴿ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ
حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ
عَذَاباً مُّهِينًا ﴾(النساء: 151) لا يتعلق بذات الله جل وعلا ؛
وإنما يتعلق بذات الكافرين أنفسهم ، فقد هيَّأه الله عز وجل لهم ، وجعله حاضرًا
لديهم ، ملازمًا لهم في حياتهم ، يحملونه معهم إلى آخرتهم ؛ كما يحملون أوزارهم ، وإلى
ذلك الإشارة بقوله تعالى :﴿ قَدْ خَسِرَ
الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ
بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ
يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ ﴾(الأنعام:
31) .
ويوضح لك معنى الحضور الذي يقتضيه ( الإعتاد ) قوله تعالى :﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا
لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾(ق: 23) . أي : هذا ما عندي
وفي ملكتي حاضر لجهنم ، قد هيأته لها بإغوائي وإضلالي . وقوله
تعالى :﴿ وَأَعْتَدَتْ
لَهُنَّ مُتَّكَأً ﴾(يوسف31) يدل دلالة واضحة على أن المتَّكأ الذي هيأته
زوجة العزيز للنسوة وحضَّرته لهن كان حاضرًا لديهن . ولو قيل :( وأعدت لهن ) ، بدلاً من قوله تعالى :﴿ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ ﴾(يوسف31) ، لما أفاد معنى الحضور .
وأما ( إعداد ) العذاب المهين في قوله تعالى :﴿ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِينًا ﴾ فهذا لا يقتضي معنى الحضور . وهذا
يعني : أن
الذين يموتون على الكفر لا يجدون ما أعدَّ الله عز
وجل لهم من
العذاب المهين حاضرًا ملازمًا لهم في حياتهم ؛ وإنما يجدون ذلك في آخرتهم ينتظرهم
جزاء كفرهم . وقد سبق ذلك قول الله عز وجل :﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ فهؤلاء لهم عقوبتان : الأولى : لعنُ الله عز وجل لهم في
الدنيا والآخرة . والثانية : إعْدادُ الله عز وجل لهم العذاب المهين في الآخرة ،
وإليهما الإشارة بقوله تعالى :﴿ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ ، ﴿ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِينًا ﴾(الأحزاب:
57) . والعقوبة الأولى هي
الحاضرة الملازمة
لهم بخلاف العقوبة الثانية .
ومثل ذلك قوله تعالى :﴿ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا ﴾(الأحزاب:
64) ، وقوله تعالى :﴿ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ
وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ
السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ
وَسَاءتْ مَصِيرًا ﴾(الفتح: 6) .
وقد تتبدل الحال ، فيصبح الكافر مؤمنًا ،
والمسيء محسنًا ، والمذنب تائبًا ، فيبدل الله عز وجل سيئاته حسنات قد أعدَّها له في آخرته ؛ كما قال تعالى :﴿ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ
يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾(الفرقان:
70) . وهذه هي ﴿ سُنَّةَ
اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ
تَبْدِيلاً ﴾(الأحزاب: 62 )
.. والله الهادي سواء السبيل
» .
محمد إسماعيل عتوك