الفرق بين
يَهْدِي ولا يَهِدِّي
قال الله
عز وجل :﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى
الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ
أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
﴾(يونس
: 35) . ولسائل أن يسأل : لم
أتى فعل الهداية في قوله تعالى :﴿ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ ﴾ بكسر الهاء وتشديد الدال ، خلافًا لما قبله ؟
وهل من فرق بين الفعلين ، من حيث التخفيف في الأول ، والتشديد في الثاني ؟ وفي
الإجابة عن ذلك نقول بعون الله وتعليمه :
أولاً- قال الزمخشري في كشافه :« يقال : هدى بنفسه بمعنى : اهتدى ؛ كما يقال : شرَى بمعنى : اشترى ؛
ومنه قوله :﴿ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ ﴾ ، وقرىء :( لا يَهَدِّى ) بفتح الهاء وكسرها ، مع تشديد الدال ، والأصل
: يهتدي ، فأدغم ، وفتحت الهاء بحركة التاء ، أو كسرت لالتقاء الساكنين ، وقد كسرت
الياء لإتباع ما بعدها » .
وحاصل كلام الزمخشري أن في قوله تعالى :﴿ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ ﴾ ثلاث قراءات :
الأولى :﴿ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ ﴾ بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال ، وهي
قراءة
يعقوب
، وحفص ، والأعمش عن أبي بكر . قال أبو حاتم :« هي لغة سُفْلَى مُضَرَ » .
الثانية :﴿
أَمَّن لاَّ يَهَدِّي ﴾ بفتح الياء والهاء وتشديد الدال ، وهي قراءة
ابن كثير ، وابن عامر ، ورش عن نافع ، واختيار أبي عبيدة ، وأبي حاتم . قال الشيخ
ابن عطيَّة في تفسير المحرر الوجيز :« وهذه أفصح القراءات » .
الثالثة :﴿
أَمَّن لاَّ يِهِدِّي ﴾ بإتْباع الياء للهاء في الكسر وتشديد الدال ،
وهي قراءة حماد ، ويحيى بن آدم ، عن أبي بكر ، عن عاصم . وقيل : هي لغة من قرأ :( نِستعين ونِعبد ) بكسر النون فيهما .
ونقل عن سيبويه أنَّه لا يجيز ( يِهْدِي ) ، ويجيز ( تِهْدِي ) و( إهْدِي ) ، قال :« لأن الكسرة تثقلُ في
الياء » . يعني : يجيز كسر حرف المضارعة من هذا النحو
؛ نحو : تِهْدِي ونِهْدِي وإِهْدِي ؛ إذ لا ثقل في ذلك ، ولم يجزه في الياء ؛ لثقل
الحركة المجانسة لها عليها ، وهذه القراءة حجة عليه .
وهناك قراءات أخرى غير
هذه القراءات الثلاث ، ذكرها الرازي وغيره ، أذكر منها قراءة حمزة والكسائي :﴿
أَمَّن لاَّ يَهْدِي ﴾ بفتح الياء وسكون الهاء وتخفيف الدال ، وذكروا
في تخريجها قولين :
أحدهما : أن
( يَهْدِي ) متعدٍّ ، ومفعوله محذوف ؛ فيكون كقوله تعالى :﴿ أَفَمَن يَهْدِي إلى الْحَقِّ ﴾ ، والمعنى :( أفمن يهدي إلى لحق أحقُّ بالاتباع ، أم الذي
لا يهدي أحدًا ؛ إلا أن يُهْدَى ذلك الأحدُ بهداية الله ) .
والثاني : أن ( يَهْدِي ) بمعنى :(
يَهْتَدِي ) . قال
الرازي :« والعرب تقول : يهدي ، بمعنى : يهتدي . يقال :
هديته فهدى . أي :
اهتدى » ؛ فيكون المعنى كما هو في القراءات الثلاث
الأولى :( أفمن يهدي إلى الحق
أحقُّ بالاتباع ، أم الذي لا يهتدي بنفسه ؛ إلا أن يهديه الله ) .
ثانيًا- ويتلخص ممَّا تقدم :
1- أن ( يَهْدِي ) بسكون الهاء وتخفيف الدال المكسورة ، قد يأتي
لازمًا بمعنى :( يهتدي ) ، والأصل فيه التعدِّي .
2- أن ( يَهِدِّي ) بكسر الهاء وتشديد الدال المكسورة ، أصله :( يهتدي ) .
أما القول بأن ( هدى ) بمعنى ( اهتدى ) فهو قول الكسائي والفرَّاء ، وتبعهما جمهور
اللغويين والمفسرين ، ومنهم الزمخشري والرازي ، وأنكره المُبرِّد ، وقال :( هدى ) بمعنى ( اهتدى ) لا يُعرَف .. وهذا هو الصحيح ، وبيانه من وجهين
:
أحدها : أن ( هَدَى ) متعدٍّ ، ومطاوعه (
اهتدى ) وهو لازم ، يقال : هداه فاهتدَى ؛ كما يقال : أمره فأتمر ،
وكسره فانكسر . والمطاوعة لا تكون مبنية إلا من الفعل المتعَدّي . والأول مصدره : الهّدْيٌ ، بفتح الهاء وسكون
الدال ، واسم المصدر منه : الهٌدَى ، بضم الهاء وفتح الدال ، وخلافهما : الإضلال .
وأما الثاني فمصدره : الاهتداء ، واسم المصدر منه : الهِدايَة ،
وخلافهما : الضلال والضلالة . يقال : هداه هَدْيًا وهُدًى . ويقال : اهْتدَى
اهْتداءً وهِدايةً .
والثاني : أن ( الهُدَى ) هو الدلالة بلطف على ما يُوصِل إلى المطلوب ؛ سواء حصل الوصول إليه
، أم لم يحصل ، ويترتَّب على ذلك : إمَّا ( الاهتداء ) ، وإمَّا ( الضلال ) . يقال : هداه فاهتدى اهتداء ، وهداه فما اهتدى ؛ كما يقال : أضلَّه فضلَّ
ضلالاً بعيدًا ، وأضلَّه فما ضلَّ . ومن هنا لا يلزم من كون ( الهُدَى ) هاديًا حصول ( الاهتداء ) ؛ كما لا يلزم في قولك : أمرته فأتمر ، من
كونه آمرًا ، حصول الائتمار . والدليل قوله تعالى :﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى
الْهُدَى ﴾(فصلت: 17) .
وذهب الراغب الأصفهاني في مفرداته إلى أن ( الهُدَى ) ، و( الهِدايَةُ ) في
موضوع اللغة واحد ؛ لكن قد خَصَّ الله عز وجل لفظة ( الهُدَى ) بما تولاه وأعطاه ، واختصَّ هو به دون ما هو
إلى الانسان ؛ نحو قوله تعالى :﴿
أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾(البقرة: 5) ، ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى ﴾(البقرة:
120) ، ﴿ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا
تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾(الأنعام: 35) . أما ( الاهتداء ) فيختص بما يتحرَّاه الإنسان على طريق الاختيار ؛ إما في الأمور الدنيوية ، أو الأخروية ؛ نحو
قوله تعالى : ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا ﴾(الأنعام: 97) . ويقال
ذلك لطلب الهداية ؛ كما في قوله تعالى :﴿ اهدِنَا الصِّرَاطَ
المُستَقِيمَ
﴾(الفاتحة: 6) . ويقال المهتدى لمن يقتدي بعالم ، ولمن يتحرَّى
على طلب الهداية ، وقد جمعها قوله تعالى :﴿ مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا
يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا
﴾(الإسراء: 15) ؛ فإن الاهتداء ههنا يتناول وجوه الاهتداء من
طلب الهداية ، ومن الاقتداء ، ومن تحرِّيها .
وأما القول بأن ( يَهَِدِّي ) ، بفتح الهاء وكسرها مع تشديد الدال ، أصله :( يهتدي ) ثم قلبت التاء دالاً ، وأدغمت في الدال بعد
نقل حركتها إلى الهاء في القراءة الأولى ، أو كسرت لالتقاء الساكنين في القراءة
الثانية ، وكسرت الياء إتباعًا للهاء في القراءة الثالثة ، فهو قول مجانب للصواب ،
وإن قال به الجمهور ، وبيان خطأه من وجهين :
أحدهما : أن (
يَهَِدِّي ) بالتشديد متعدٍّ ، وأما
( يَهْتَدِي ) فهو لازم ، وأن المعنى على الأول غيره على الثاني ؛ فإن المعنى على الأول :( لا يهدي نفسه ، ولا يهدي غيره ) ، وهذا ما أفاده التشديد . وأما على الثاني فالمعنى :( لا يهتدي بنفسه ) ، والفرق واضح بين أن يقال :
( أفمن يهدي إلى الحق
أحقُّ بالاتباع ، أم الذي لا يَهِدِّي . أي : لا يهدي نفسه ، ولا يهدي غيره ) . أو يقال :
( أفمن يهدي إلى الحق أحقُّ بالاتباع ، أم الذي لا يَهِدِّي . أي : لا يهتدي بنفسه ) .
والثاني فاسد حكمًا ؛ لأن قوله تعالى :﴿
أَمَّن لاَّ يِهِدِّي ﴾ أتى في مقابل قوله تعالى :﴿
أَفَمَن يَهْدِي ﴾ ، وهو نسق عليه ، والأول متعدٍّ ، فكذا ينبغي
أن يكون مقابله ، هذا من جهة . ومن جهة أخرى فإن المقابلة لا تصح إذا كانت بين
الذي يهدي ، والذي لا يهتدي ؛ وإنما تصح بين الذي يهدي ،
والذي لا يهدي . أو بين الذي يهتدي ، والذي لا يهتدي .. هذا هو وجه الكلام ، وتأمله
في القرآن ، تجده على ما ذكرنا ، إن شاء الله !
وكأن الزمخشري أحسَّ بشيء مما ذكرت ، فحاول أن
يرأب الصدع ، فقال في تفسيره للآية :« أفمن يهدي إلى الحق هذه
الهداية أحقُّ بالاتباع ، أم الذي لا يَهِدِّي . أي : لا يهتدي بنفسه ، أو لا يهدي غيره » ، فجمع بين كون ( لا يَهِدِّي ) بالتشديد بمعنى :( يهتدي ) ، وكونه بمعنى ( يهدي ) بالتخفيف ، فتناقض بذلك كلامه ؛ لأن الأول
لازم ، والثاني متعدٍّ ، ومعنى الأول غير معنى الثاني كما ذكرنا ؛ فلهذا لا يصح
الجمع بينهما .. فتأمل !
والثاني : أن ( هَدَى يَهْدِي ) ، و( هَدَّى يَهَِدِّي ) ، لغتان ، وكل واحدة منهما أصل ، والتشديد في
الثانية للمبالغة والتكثير ؛ ومثلها قراءة من قرأ :﴿ إِلاَّ أَن يُهَدَّى ﴾ بفتح الهاء وتشديد الدال المفتوحة للمبالغة ،
وهي من ( هَدَاه ) ، و( هَدَّاه ) للمبالغة ؛ ومنه قولهم في الهَديَّة : ( أهدى ) ، و( تَهَدَّى ) بشديد الدال المفتوحة للمبالغة . وجاء في تهذيب اللغة للأزهري :« وفلان لا يَهْدي الطريقَ ولا يَهْتَدي ، ولا يَهَدِّي ولا يَهِدِّي
، وقد قرئ :( أمَّنْ لا يَهَدِّي ) و( لا يَهِدِّي ) . وقال الليث : لغة أهل الغََوْر في معنى ( بَيَّنتُ له ) : ( هَدَّيتُ له ) . وقوله جلّ وعزّ :﴿ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ﴾(طه: 128) : يبين لهم » . وقد سبق أن ذكرنا قول أبي حاتم في قراءة :﴿
أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ ﴾ بأنها لغة سُفْلَى مُضَرَ .
فثبت بما تقدم أن القول بأن ( لا يَهَدِّي ) أصله : ( لا يهتدي ) خطأ ، لا ينبغي الركون إليه ، ومع ذلك فقد أخذ به جمهور العلماء ،
وبه أجاب الدكتور فاضل السامرائي حين سئل في ( لمسات بيانية ) عن
اللمسة البيانية في كلمة ( يَهِدّي ) ، فأجاب
قائلاً :« ( يَهِدِّيَ ) أصلها :
( يهتدي ) ، حصل فيها إبدال للتاء دالاً
. الدال غير قياسي . الآن : الدال ضُعِّفت (
يَهِدِّيَ ) أبدل وأدغم ، ونحن عندنا أن التضعيف يفيد التكثير والمبالغة
، ( لاَّ يَهِدِّيَ ) يعني المبالغة في عدم الاهتداء » .
ثالثًا- بقي أن تعلم أن الأصل في ( هدى ) أن
يُعدَّى إلى مفعولين ، الثاني منهما بـ( إلى ) ،
و( اللام ) ؛ فمن الأول قوله تعالى :﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾(الشورى: 52) ، ومن الثاني قوله تعالى :﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾(الإسراء: 9) . وقد اجتمعا معًا في قوله تعالى هنا :﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ الله يَهْدِى لِلْحَقّ ﴾ . هذا هو الأصل ، ثم يُتَّسَعُ فيه ، فيُحْذَفُ
الجارُّ ، فيُعَدَّى إليهما بنفسه ؛ كما في قوله تعالى :﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾(الفاتحة:6) . أي : اهدنا إلى الصراط ، أو للصراط . وقيل :
هو متعدٍّ إلى المفعول الثاني بنفسه ، وأنه ليس على حذف الجار .
وقال الزجاج : يقال : هديت إلى الحق ، وهديت
للحق ، بمعنى واحد ، والله تعالى ذكر هاتين اللغتين في قوله :﴿ قُلِ الله يَهْدِى لِلْحَقّ أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الحق ﴾ . وقال غيره : إن قولك : هديته إلى كذا ، يكون على معنى : أوصلته إلى معرفته ، وأما قولك :
هديته لكذا ، فعلى معنى : أرشدته لأجل كذا . وقيل : عُدِّيَ بـ( إلى ) إشارة إلى معنى الانتهاء ، وبـ( اللام ) للدلالة على أن المنتهى غاية للهداية ، وأنها
لم تتوجه إليه على سبيل الاتفاق ؛ بل على قصد من الفعل وجعله ثمرة له ؛ ولذلك
عُدِّيَ بها ما أسند إليه سبحانه وتعالى . وقيل في الفرق بين المتعدي بنفسه ،
والمتعدي بالحرف : إذا اعتبر في ( هدى )
معنى الإراءة والإبانة عُدِّيَ بنفسه ، وإذا اعتبر فيه مطلق الإرشاد والإشارة
عُدِّيَ بالحرف ، فحالة تعديته هي المؤذنة بالحدث المتضمن له . والله تعالى أعلم .. نسأله سبحانه أن يهدينا إلى صراطه المستقيم ، والحمد لله رب
العالمين !
بقلم : محمد إسماعيل عتوك