سر
النفي بـ( لن ( و( لا )
قال
الله عز وجل في حق اليهود :﴿ قُلْ إِن كَانَتْ
لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ
فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ *
وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ
أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ ﴾(البقرة: 94-95) . وقال
سبحانه في
الآية الأخرى :﴿ قُلْ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن
دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً
بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾(الجمعة: 6-7) ، فنفى سبحانه تمنيهم الموت في سورة البقرة ﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ
أَبَدًا ﴾ بـ( لن ) ، ونفاه في سورة الجمعة ﴿ وَلَا
يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا ﴾ بـ( لا )
.
ولسائل أن يسأل : لم أتى هذا النفي في سورة
البقرة بـ( لن ) ، وأتى في سورة الجمعة بـ( لا ) ، وكلاهما إخبار عن شيء واحد ؟ وقبل
الإجابة عن ذلك نقول بعون الله وتعليمه :
أولاً- كان اليهود يدعون في جملة
ما يدَّعون أن لهم الدار الآخرة خالصة عند الله تعالى ،
وأنهم أولياء لله
من دون الناس ، وكان النصارى بقولون مثل قولهم هذا . وقد حكى الله تعالى ذلك عن الطائفتين ، فقال جلَّ ثناؤه :﴿
وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ
هُوداً أَوْ نَصَارَى ﴾(البقرة :111) . وقال في آية أخرى :﴿ وَقَالَتِ
الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾(المائدة: 18)
.
ولما أراد الله عز وجل
أن يبطل ادِّعاء الطائفتين ويبين فساد أقوالهم
ويفضح أمرهم ، أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو وفد نجران من النصارى إلى
المباهلة بقوله سبحانه :﴿ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا
وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ
اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾(آل عمران:61) .
والمباهلة : الملاعنة ،
وهي أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء ، فيقولوا لعنة الله على الظالم منا . فلما
دعاهم إليها ، أبوا منها ورضوا بدفع الجزية . وأما اليهود فأمره سبحانه أن يدعوهم
إلى تمني الموت ، بقوله :﴿ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن
كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .
وللمفسرين في هذا التمني قولان
: أحدهما : قول ابن عباس :« إنهم أمروا بأن
يَدْعُوَ الفريقان بالموت على الفرقة الكاذبة » . والثاني : أن يقولوا :« ليتنا نموت » . وذهب ابن كثير إلى أن
قول ابن عباس قي تفسير الآية هو المتعين ، وهو الدعاء على أي الفريقين أكذب منهم ،
أو من المسلمين على وجه المباهلة . وذهب ابن عادل في تفسير اللباب إلى أن القول
الثاني أولى ؛ لأنه أقرب إلى موافقة الفظ . وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال في اليهود :« لو تمنوا الموت ، لغصَّ كل إنسان بريقه فمات مكانه ، وما بقي على وجه الأرض يهوديٌّ إلا
مات »
. وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر :« لو أن اليهود تمنوا الموت
لماتوا ، ولرأوا مقاعدهم من النار . ولو خرج الذين يُباهلون رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً » .
والمراد من تمنيهم الموت أن يتمنوه بألسنتهم ، لا بقلوبهم ؛ لأن التمني في لغة العرب لا يعرف إلا بما يظهر
بالقول ؛ كما أن الخبر لا يعرف إلا بما يظهر بالقول . روى ابن عباس رضي الله عنهما
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :« لو تمنَّوا الموت لشرقوا به ، ولماتوا » . أي : لو تمنوه
بقلوبهم لأظهروه بألسنتهم ، ردًّا على النبي صلى الله عليه وسلم وإبطالاً لحجّته .
وقد بلغت الأخبار الواردة في أنهم ما تمنوا
الموت مبلغ التواتر ، وما ذلك إلا لأنهم كانوا موقنين
بصدق النبي عليه الصلاة والسلام ، فعلموا أنهم لو تمنوا الموت ، لماتوا من ساعتهم
ولحقهم الوعيد . فانكشف بذلك لمن كان
مشكلاً عليه أمر اليهود يومئذ كذبهم وبهتانهم وبغيهم على رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وظهرت حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحجة أصحابه عليهم ، ولم تزل-
والحمد لله- الحجة ظاهرة عليهم ، وعلى غيرهم من
الملاحدة
والكفرة والمشركين إلى يوم الدين . ومن هنا كان هذا الإخبار من الله تعالى عن اليهود من المعجزات التي
دلَّت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وصدق رسالته ؛ لأنه إخبار بالغيب ، والإخبار بالغيب معجز .
ثانيًا- وظاهر قوله تعالى في البقرة ﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ﴾ ، وقوله تعالى في الجمعة ﴿ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا ﴾ يدل على أن بين القولين فرقًا في اللفظ ينبني
عليه فرق في المعنى . ولعلماء النحو والتفسير في بيان ذلك والتعليل له قولان
مشهوران :
القول الأول : أنه لا فرق بين القولين إلا من حيث الإعراب ،
وأما من حيث المعنى فلا فرق بينهما . وعلى هذا القول جمهور علماء النحو والتفسير ، وهو مبني على أن ( لن ) عندهم أخت ( لا ) في نفي الأفعال المستقبلة عند الإطلاق ، بدون
دلالة على تأكيد أو تأبيد ، فيستوي بذلك عندهم المنفي بهما . قال أبو حيان في
البحر المحيط :« وهو الصحيح » . وتابعه في ذلك الزركشي في البرهان .
وإلى هذا القول ذهب الدكتور محمد
هداية في برنامج ( طريق الهداية ) الذي تبثُّه إحدى القنوات الفضائية
، فقال : والفرق بين ﴿ لَا يَتَمَنَّوْنَهُ ﴾ ، و﴿ لَن يَتَمَنَّوْهُ ﴾ هو
في الإعراب .. فإن إعراب ﴿ لَن يَتَمَنَّوْهُ ﴾
:( لن ) ناصبة
، و( يتمنوه ) فعل
مضارع منصوب ، وعلامة نصبه حذف النون نيابة عن الفتحة ؛ لأنه من الأفعال الخمسة ،
فلا اختلاف بينهما إلا في الإعراب » .
وعلى هذا يكون نفي تمني
الموت تارة بـ( لن ) ، وتارة أخرى بـ( لا ) من باب ( التفنن في
التعبير ) ، وهذا ما صرح به الألوسي عند تأويل قوله تعالى :﴿ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا ﴾ ، فقال :« وجاء نفي هذا التمني في
آية أخرى بـ( لن ) ، وهو من باب التفنن على القول المشهور ، في
أن كلاً من ( لا ) ، و( لن )
لنفي المستقبل من غير تأكيد » .
والقول الثاني : أن ( لن
) ، و( لا ) ، وإن كانتا أختين في نفي الأفعال المستقبلة ،
وأنه لا فرق بينهما في ذلك ، إلا أن في ( لن )
تأكيدًا وتشديدًا ليس في ( لا ) ،
فأتى
نفي تمنيهم الموت مرة بلفظ التأكيد ﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ﴾ ، ومرة بغير لفظه
﴿ وَلَا
يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا ﴾ . وهذا قول الزمخشري ، وتابعه الرازي ،
وعلل مع صاحب المنتخب لنفي الأول يـ( لن ) ،
والثاني بـ( لا ) بأن اليهود ادعوا في سورة البقرة أن الدار الآخرة خالصة لهم من
دون الناس ، وادعوا في سورة الجمعة أنهم أولياء لله من دون الناس . ودعواهم الأولى
أعظم من دعواهم الثانية ؛ لأن السعادة القصوى فوق مرتبة الولاية ؛ لأن الثانية
تراد لحصول الأولى . ولما كانت ( لن )
أبلغ في النفي من (
لا )
، جعلها الله تعالى لنفي
الأعظم
؛ لأنها أقوى الألفاظ النافية ، على حد قول الرازي .
ويتفق الرازي والزمخشري في أن كلاً من ( لن ) ، و( لا )
لنفي المستقبل ، وأن ( لن
) أشد تأكيدًا في نفيه من
( لا ) ، أو أقوى وأبلغ ، ثم يختلفان في أن ( لن ) عند الرازي وغيره لتأبيد النفي في الدنيا ،
وعند الزمخشري لتأبيد النفي في الدنيا والآخرة . وعليه فإن قوله تعالى في البقرة :﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ ﴾ عند
الرازي يكون نفيًا
لتمني اليهود الموت أبد الحياة الدنيا ، وعلى هذا مذهب أهل السنة . وأما عند الزمخشري
فيكون نفيًا لتمنيهم الموت أبد الحياة الدنيا والآخرة ، وعلى هذا مذهب المعتزلة .
ثالثًا- أما القول بأن في ( لن ) تأكيدًا
وتشديدًا
ليس في ( لا ) ، وأنها أبلغ في النفي وأقوى من ( لا ) ، فهو دعوى بعيدة لا تقوم على دليل ، ويحتاج كما قال أبو حيان في رده على
الزمخشري :« إلى نقل عن مستقري اللسان » .
وأما قولهم :« تقول : لا أفعل ، فإذا أردت تأكيد النفي ، قلت : لن أفعل » فلا يستقيم
إلا إذا ثبت أن كلاً من ( لا ) ، و( لن ) موضوع لنفي المستقبل ، وأنه لا فرق بينهما في
نفي الأفعال المستقبلة .. وتحقيق القول في ذلك :
أن
( لا ) تنفي الحال والمستقبل ،
و( لن ) تنفي المستقبل خاصَّة . تقول :(
لا يفعل )
إذا أردت نفي فعله في الحال والمستقبل ، فإذا أردت نفي فعله في المستقبل دون الحال
، قلت :( لن يفعل ) . ولا يعترض على ذلك بقوله
تعالى :﴿ فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا ﴾(مريم: 26) ؛ إذ جاء منفيُّها
مقيَّدًا بـ( اليوم ) ؛ لأن المراد به المستقبل ، بدليل مجيئه في سياق الجملة
الشرطية ؛ وهي قوله تعالى :﴿ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ
الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ﴾(مريم:26) .
وذهب الشيخ السهيلي في نتائج الفكر في النحو ،
وتبعه ابن قيم الجوزية في بدائع الفوائد إلى أن من خواصِّ ( لن ) تخليصها الفعل للاستقبال ، بعد أن كان محتملا للحال ، فأغنت عن السين
وسوف . وهذا يعني : أن قولك :( يفعل ) يحتمل الحال والاستقبال ، وأن قولك
:( سيفعل ) ، أو ( سوف يفعل
) مخلَص للاستقبال ، ونفي الأول :( لا يفعل )
، ونفي الثاني :( لن يفعل ) . وهذا ما نصَّ عليه سيبويه في باب ( نفي الفعل )
، فقال :« وإذا قال : سوف يفعل ، فإنَّ نفيه : لن يفعل » . وحكى عن الخليل قوله في قولهم :( سيفعل ) ، فقال :« وزعم الخليل أنها جواب : لن يفعل » . وليس في ذلك ما يشير إلى أن السين في :( سيفعل ) ، للتأكيد ، فجوابها ( لن يفعل )
كذلك ؛ كما فهم ذلك
بعضهم من قول سيبويه .
وأما ما ذهب إليه سيبويه
من أنه « إذا قال : هو يفعل ،
ولم يكن الفعل واقعًا ، فنفيه : لا يفعل »
، فظاهره أن ( لا يفعل ) نفي
للمستقبل دون الحال ، وهذا ما أشكل فهمه على الجمهور والزمخشري ، فزعموا أن (
لا ) مثل ( لن ) في نفي المستقبل . وزاد
الزمخشري على ذلك فزعم أن في ( لن ) تشديدًا
وتأكيدًا ليس في ( لا ) ، وأنها لتأكيد ما
تعطيه ( لا ) من نفي المستقبل ، وتبعه في ذلك الرازي كما تقدم .
أما الجمهور فقد أجيب عنهم بأنهم إنما جعلوا ( لا )
مثل ( لن ) في دلالتها على نفي المستقبل
، إذا لم يوجد قرينة غيرها تدل على غير ذلك . وأما سيبويه فقد أجيب عنه بأنه
إنما نبَّه إلى الأوْلى في رأيه ، والأكثر في الاستعمال ، بدليل أنه نفسه قد ذكر
أن من أدوات الاستثناء ( لا يكون ) ، ولا يمكن حمل النفي فيه على الاستقبال ؛ لأنه
بمعنى ( إلا ) ، فهو للإنشاء ، وإذا كان للإنشاء ، فهو حال .
وهذا يعني : أن ( لا يفعل ) يصلح للحال
والاستقبال كما ذكرنا سابقًا ، وهو مذهب الأخفش والمبرد ، وتبعهما ابن مالك .
وإليه أشار ابن قيم الجوزية في بدائع الفوائد بقوله :« وإذا نفي المضارع بـ( لا ) ، فهل يختص في الاستقبال ، أو يصلح له وللحال
؟ مذهبان للنحاة :
مذهب الأخفش : صلاحيته
لهما ، ووافقه ابن مالك ، وزعم أنه لازم لسيبويه ، محتجًّا بإجماعهم على صحة : قام
القوم لا يكون زيد ، فهو بمعنى : إلا زيدًا ؛ ومن ذلك قولهم : أتحبه أم لا تحبه ..
لا ريب أنه بمعنى الحال . وقولهم : ما لك لا تقبل ، وأراك لا تبالي . قال تعالى :﴿ وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ ﴾(المائدة: 84) ، و﴿
مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ ﴾(النمل: 20)
، و﴿ وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي ﴾(يس: 22) .
وزعم الزمخشري أنه يتخلص بها للاستقبال آخذًا
من قول سيبويه :(
وإذا قال : هو يفعل ، ولم يكن الفعل واقعًا ، فإن نفيه : لا يفعل ) . وهذا ليس صريحًا في اختصاصه بالمستقبل ؛ فإن
( لا ) تنفي الحال والاستقبال ، وهو لم يقل : لا تنفي
الحال ؛ وإنما أراد سيبويه أن يفرق بين نفي الفعل بـ( ما ) ، ونفيه بـ( لا ) في أكثر الأمر ، فقال :( وإذا قال : هو يفعل . أي : هو في حال فعل ،
كان نفيه : ما يفعل ، وإذا قال : هو يفعل ، ولم يكن الفعل واقعًا ، فإن نفيه : لا
يفعل ) . ومعلوم أن ( ما ) لا يخلص الفعل المنفي بها للحال ، وسيبويه قد
جعلها في فعل الحال ؛ كـ( لا ) في
فعل الاستقبال ، فعلم أنه إنما أراد الأكثر من استعمال الحرفين » .
فتبين بذلك أن ( لا يفعل ) يصلح لنفي الحال والمستقبل
، وأن ( لن يفعل ) خاص بنفي المستقبل ، وإذا كان كذلك ، فليس في ( لن ) تأكيدًا وتشديدًا ليس في ( لا ) ، وأنها أقوى في النفي من ( لا ) وأبلغ . وكان ينبغي على الزمخشري ، وغيره أن
يتدبروا كلام سيبويه ، ويفهموا منه ما فهمه ابن قيم الجوزية قبل أن ينسبوا إليه
القول بأن ( لا يفعل ) مثل (
لن يفعل ) في نفي المستقبل ، وأن
في الثاني تأكيدًا وتشديدًا ليس في الأول ؛ لأنه جواب ( سيفعل ) الذي هو تأكيد ( يفعل ) .
وأما القول بأن ( لن ) لتأبيد النفي فهو موضع نزاع بين علماء العربية : فمذهب الجمهور أنها لا تفيد التأبيد مطلقًا ، وأنها
لمجرد النفي عن الأفعال المستقبلة ، مثلها في ذلك مثل ( لا ) ، وأن التأبيد وعدمه يؤخذان من دليل خارج .
ومذهب الزمخشري والمعتزلة أنها تفيد التأبيد مطلقًا ، وزعموا أنه منقول عن أهل
اللغة ، وبنوا على ذلك مذهب الاعتزال في قوله تعالى لموسى عليه السلام :﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾(الأعراف: 143) ، فزعموا أنه دليل عن نفي الرؤية في الدنيا والآخرة .
قال الزمخشري :« فإن قلت : ما معنى ( لن ) ؟
قلت : تأكيد النفي الذي تعطيه ( لا ) ؛
وذلك أن ( لا ) تنفي المستقبل . تقول :
لا أفعل غدًا ، فإذا أكدت نفيها قلت : لن
أفعل غدًا . والمعنى : أن فعله ينافي حالي ؛ كقوله :﴿ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ ﴾(الحج:
73) . فقوله
:﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار ﴾(الأنعام: 103) نفي للرؤية فيما يستقبل . و﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾(الأعراف: 143) تأكيد وبيان ؛ لأن
المنفي مناف لصفاته » . وقال أبو الفضل الطَّبرسيُّ المعتزليُّ :« هذا جوابٌ من اللهِ ، ومعناه : لا تراني أبدًا ؛ لأن ( لن ) ينفي على وجه التأبيد ؛ كما قال :﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ﴾(البقرة: 95) » . وهذا مذهب معتزلي فاسد ترده النصوص القرآنية
الصريحة ، والأحاديث الصحيحة التي لا مطعن في ثبوتها ، والتي تنصُّ صراحة على ثبوت
الرؤية في الآخرة . وادعاؤهم بأن ( لن )
للتأبيد منقول عن أهل اللغة باطل .
قال الرازي عند تفسير آية الأعراف السابقة :« ما نقل عن أهل اللغة بأن ( لن ) للتأبيد ، قال الواحدي رحمه الله : هذه دعوى
باطلة على أهل اللغة ، وليس يشهد بصحته كتاب معتبر ، ولا نقل صحيح . وقال أصحابنا : الدليل على فساده قوله تعالى في صفة اليهود :﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ
أَبَدًا ﴾ مع أنهم يتمنون الموت يوم القيامة » .
ولهذا حمل المعارضون لهم من أهل السنة ( لن ) في قوله تعالى :﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ﴾(البقرة: 95) ، وقوله :﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾(الأعراف: 143) على تأبيد النفي في الحياة الدنيا . قال ابن كثير عند تفسير آية الأعراف :« وقد أشكل حرف ( لن ) هاهنا على كثير من العلماء ؛ لأنها موضوعة
لنفي التأبيد ، فاستدل به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة . وهذا أضعف الأقوال ؛ لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم بأن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة . وقيل :
إنها لنفي التأبيد في الدنيا ، جمعًا بين هذه الآية ، وبين الدليل القاطع على صحة
الرؤية في الدار الآخرة » .
وقال الشيخ ابن عطية :« وقوله عز وجل :﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾ نصٌّ من الله تعالى على منعه الرؤية في الدنيا ، و( لن ) تنفي الفعل المستقبل . ولو بقينا مع هذا النفي
بمجرده ، لقضينا أنه لا يراه ( موسى ) أبدًا ، ولا في الآخرة ؛ لكن ورد من جهة
أخرى بالحديث المتواتر أن أهل الإيمان يرون الله تعالى يوم القيامة ، فموسى عليه
السلام أحرى برؤيته » .
قال الزجاج
:« في هذه الآية أعظم حجة وأظهر دلالة على صحة
رسالته صلى الله عليه وسلم ، لأنه قال لهم : فتمنوا الموت ، وأعلمهم أنهم لن يتمنوه
أبداً فلم يتمنه واحد منهم . وفي هذه الآية دليل أن ( لن ) لا تدل على التأبيد ؛
لأنهم يتمنون الموت في الآخرة ، خلافًا لقول المعتزلة في قولهم : لن تراني . ويقال : إن قوله ( لن ) إنما
يقع على الحياة الدنيا خاصة ، ولم يقع على الآخرة ؛ لأنهم يتمنون الموت في النار ،
إذا كانوا في جهنم » .
ولكن ذلك كله لا ينافي
أن تكون ( لن ) للتأبيد الذي يفيد استغراق النفي في جميع
أجزاء الزمن المستقبل ؛ كما تكون ( لا )
للتأبيد الذي يفيد استغراق النفي في جميع أجزاء الزمن الحاضر والمستقبل ؛ وذلك في
كل موضع استعملتا فيه ؛ سواء قيِّد النفي بهما بـ( أبدًا ) ، أو لم يقيد . وإلى هذا ذهب الشيخ الشنقيطي
في أضواء البيان ، فذكر أن ( لن )
تفيد تأبيد النفي ، في موضع لم يعارضها فيه نصٌّ ، وذكر أن قول النبي صلى الله
عليه وسلم لأبي ذرٍّ :« ولن تجزئ عن أحد بعدك » صريح في استمرار منع الإجزاء عن غيره ؛ لأن
لفظة ( لن ) تدل على نفي الفعل في المستقبل من الزمن ، فهي
دليل صريح على استمرار عدم الإجزاء عن غيره في المستقبل من الزمن . قال :« ويؤيد ذلك أن قوله :” عن أحد بعدك “ نكرة في سياق النفي ، فهي تعم كل أحد في كل وقت كما ترى » .
وأما
القول بأنه لا فرق في النفي بين ( لا ) ، و( لن ) فهو
مردود - كما تقدم- بأن ( لا ) تنفي الحال
والمستقبل ، وأن ( لن ) تنفي المستقبل فقط ؛ وإذ
ثبت ذلك فإن ( لا ) تكون لنفي ما طال وبعُد ، و( لن ) تكون لنفي
ما قصُر وقرُب ، فلا يمتد النفي بها امتداده في ( لا )
. وسر ذلك كما قال ابن الزملكاني في التبيان :« أن
الألفاظ مشاكلة للمعاني ، و( لا ) آخرها الألف ، والألف يمكن امتداد الصوت بها ،
بخلاف النون ، فطابق كل لفظ معناه » .
وهذا عكس ما ذهب إليه
الزمخشري والمعتزلة من القول بأن ( لن )
لتأبيد النفي على الإطلاق ، وهو ألطف وأحسن ؛ بل وأصح مما ذهب إليه الجمهور من
القول بأن ( لا ) مثل ( لن ) في نفي الأفعال المستقبلة . وإليه ذهب الشيخ
السهيلي ، فذكر في نتائج الفكر في النحو من خواصِّ ( لن ) :« أنها تنفي ما قرب ، ولا
يمتد معنى النفي فيها ؛ كامتداد معنى النفي في ( لا ) ، إذا قلت : لا يقوم زيد أبدًا . فـ( لا ) هي لامٌ بعدها ألفٌ
، يمتدُّ بها الصوت ما لم يقطعه تضييق النفَس ؛ فآذن امتداد لفظها بامتداد معناها
، و( لن ) يعكس ذلك ، فتأمله ، فإنه معنى لطيف وغرض شريف » .
واستطرد الشيخ السهيلي قائلاً :« ألا ترى كيف جاء في القرآن البديع نظمه الفائق على كل
العلوم علمه :﴿ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا ﴾ بحرف ( لا ) ، في الموضع الذي اقترن فيه حرف الشرط بالفعل
، فصار من صيغ العموم ، فانسحب على جميع الأزمنة ، وهو قوله عز وجل :﴿ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ
النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ ﴾ ؛ كأنه يقول : متى زعموا ذلك لوقت من الأوقات
أو زمن من الأزمان ، وقيل لهم : تمنوا الموت ، فلا يتمنونه أبدًا . وحرف الشرط دل
على هذا المعنى ، وحرف ( لا ) في
الجواب بإزاء صيغة العموم لاتساع معنى النفي فيها .
وقال تعالى في سورة البقرة :﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ
أَبَداً ﴾ ، فقصَّر من سعة النفي وقرَّب ؛ لأن قبله في النظم :﴿ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ ﴾
، وليست ( إن ) ههنا مع (
كان ) من صيغ العموم ؛ كما كانت مع ( زعمتم )
في آية الجمعة ؛ لأن ( كان ) ليست بدالة
على الحدث ؛ فكأنه يقول عز وجل : إن كانت وجبت لكم الدار الآخرة ، وثبتت لكم في علم
الله تعالى ، فتمنوا الموت الآن . ثم قال في الجواب :﴿
وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً ﴾ ، فانتظم معنى
الجواب بمعنى الخطاب في الآيتين . وليس في قوله :( أَبَدًا ) ما يناقض ما قلناه ؛ فقد يكون ( أَبَدًا ) بعد فعل الحال . تقول : زيد يقوم أبدًا ،
ويصلي أبدًا » .
وذكر ابن قيم الجوزية
في بدائع الفوائد قول الشيخ السهيلي ، وعقَّب عليه قائلاً :« ومن أجل ما تقدم من قصور معنى النفي في ( لن ) ، وطوله في ( لا ) يعلم المُوفَّقُ قصورَ المعتزلة في فهم كلام
الله تعالى ، حيث جعلوا ( لن )
تدل على النفي على الدوام ، واحتجوا بقوله :﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾(الأعراف: 143) ، وعلمت بهذا أن بدعتهم الخبيثة حالت بينهم ،
وبين فهم كلام الله كما ينبغي ، وهكذا كل صاحب بدعة تجده محجوبًا عن فهم القرآن » .
وأضاف ابن قيم الجوزية
قائلاً :« وتأمل قوله تعالى :﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾(الأنعام:
103) ، كيف نفى فعل الإدراك بـ( لا ) الدالة على طول النفي ودوامه ؛ فإنه لا يدرك
أبدًا . وإن رآه المؤمنون فأبصارهم لا تدركه ، تعالى عن أن يحيط به مخلوق ، وكيف
نفى الرؤية بـ( لن ) ، فقال :﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾(الأعراف: 143) ؛ لأن النفي بها لا يتأبد ، وقد كذبهم الله في
قولهم بتأبيد النفي بـ( لن )
بقوله :﴿ وَنَادَوْا
يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ﴾(الزخرف: 77)
؛ فهذا تمن للموت ، فلو
اقتضت ( لن ) دوام النفي تناقض الكلام » .
ثم ذكر أن اقتران قوله تعالى
:﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ﴾ بالتأبيد لا ينافي تمنيهم الموت في النار ؛ لأن
التأبيد على ما قال :« قد يراد به : التأبيد المقيد ، والتأبيد المطلق . فالمقيد كالتأبيد
بمدة الحياة مقيد ؛ كقولك : والله لا أكلمه أبدًا . والمطلق ؛
كقولك : والله لا أكفر بربي أبدًا . وإذا كان كذلك ، فالآية إنما اقتضت نفي تمني
الموت أبد الحياة الدنيا ، ولم يتعرض للآخرة أصلاً ؛ وذلك لأنهم لحبهم الحياة
وكراهتهم للجزاء ، لا يتمنون ، وهذا منتف في الآخرة .. فهكذا ينبغي أن يفهم كلام
الله ، لا كفهم المحرفين له عن مواضعه » .
رابعًا- نخلص مما تقدم إلى أن كلاً من قوله تعالى :﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ
أَبَدًا ﴾ ، وقوله تعالى :﴿
وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا ﴾ خبر قاطع عن أن ذلك لا يقع منهم ، ولن يقع في
الحياة الدنيا أبدًا ، وليس في السياق ما يشير إلى عدم تمنيهم الموت في الآخرة ،
بدليل ما حكاه القرآن عنهم من قولهم ، وهم في النار يصطرخون :﴿ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ
لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ﴾(الزخرف: 77) ، وبدليل ما حكاه القرآن عن الكفار عامة من
قولهم :﴿ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾(الحاقة: 27) . فالكفار بصورة عامة ، واليهود بصورة خاصة لا
يتمنون الموت في الحياة الدنيا لحرصهم على الحياة ، وخوفهم من الجزاء ؛ ولكنهم إذا
فارقوا الدنيا ، وصاروا إلى الآخرة ، وأدخلوا النار بما قدمت أيديهم ، تمنوا الموت
. ويبدو الفرق بين النفيين من وجهين :
أحدهما
: أن قوله تعالى :﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ﴾ إخبار بحال اليهود المستقبلة ،
وأما قوله تعالى:﴿ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا ﴾ فهو إخبار بحال اليهود الحاضرة
والمستقبلة . وعليه فإن الأول يقتضي نفي تمنيهم الموت فيما يستقبل من أعمارهم
، وإن الثاني يقتضي نفي تمنيهم الموت مدة
حياتهم في الدنيا ، خلافًا لما ذكره ابن قيم الجوزية في قوله السابق من أن آية البقرة « إنما اقتضت نفي تمني الموت أبد الحياة الدنيا » ؛ لأن الذي يقتضي ذلك هو النفي بـ( لا ) ، لا النفي بـ( لن ) ؛ لأن ( لا )- كما قال هو ومن قبله الشيخ السهيلي وابن
الزملكاني- « هي لام ، بعدها ألف ، يمتد بها الصوت ما لم
يقطعه ضيق النفس ، فآذن امتداد لفظها بامتداد معناها ، و( لن ) بعكس ذلك » . والدليل عليه أيضًا ما ذكره ابن قيم الجوزية نفسه من قوله :« وتأمل قوله تعالى :﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾(الأنعام:
103) ، كيف نفى فعل الإدراك بـ( لا ) الدالة على طول النفي ودوامه ؛ فإنه لا يدرك
أبدًا . وإن رآه المؤمنون فأبصارهم لا تدركه ، تعالى عن
أن يحيط به مخلوق ، وكيف نفى الرؤية بـ( لن )
فقال :﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾(الأعراف: 143) ؛ لأن النفي بها لا يتأبد » .
ونحو ذلك
قوله تعالى :﴿ فَإِنْ لَمْ
تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ ﴾(البقرة:
24)
. فقوله :﴿ فَإِنْ لَمْ
تَفْعَلُوا ﴾ نفي لفعلهم في الحال والمستقبل ، كما كان قوله :﴿ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا ﴾ نفي لتمنيهم الموت في الحال
والمستقبل . وقوله :﴿
وَلَنْ تَفْعَلُوا ﴾ نفي لفعلهم في المستقبل ؛ كما كان قوله :﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ
أَبَدًا ﴾ نفي لتمنيهم الموت في المستقبل . فثبت بذلك أن النفي
الأول إخبار بحالهم الدائمة المستمرة ، والنفي الثاني
إخبار بحالهم المستقبلة .
والثاني
: أن الغرض من قوله تعالى :﴿ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا ﴾ هو إبطال ادعاء اليهود أنهم أولياء لله من دون
الناس . وأما قوله تعالى :﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ﴾ فالغرض منه إبطال ادعائهم أن لهم الدار الآخرة خالصة عند الله من
دون الناس . وواضح من سياق الآيات أن ادعاءهم الأول متعلق بالحياة الدنيا ، وأن
ادعاءهم الثاني متعلق بالدار الآخرة ، فناسب الأول نفي تمنيهم الموت بـ( لا ) التي ينفى بها الحال والمستقبل ، ولم ينف بـ( ما ) الخاصة بالحال ؛ لأنهم أرادوا أنهم أولياء لله
من دون الناس مستمرون على ذلك إلى آخر حياتهم ، فكذِّبوا بما ينفي ذلك . وناسب
الثاني نفي تمنيهم الموت بـ( لن ) الخاصة بنفي
المستقبل ، فدل على أنهم يتمنون الموت في الدار الآخرة التي ادعوا أنها لهم عند
الله خالصة من دون الناس . ولو أتى هذا النفي هنا بـ( لا
) بدلا من ( لن ) ، كما في آية الجمعة ، لدل على
عدم تمنيهم الموت مدة الحياة الدنيا ، ومدة الحياة الآخرة ، وهذا خلاف المراد .
خامسًا- بقي أن
تعلم أن ( التأبيد ) مأخوذ من الأبد
. والأبد- في اللغة كما قال
الراغب في مفرداته- هو عبارة عن مدة الزمان الممتد الذي لا يتجزأ كما يتجزأ الزمان
؛ وذلك أنه يقال : زمان كذا ، ولا يقال : أبد كذا . ويقع الأبد للقليل والكثير ، ماضيًا كان ، أو حاضرًا ، أو مستقبلاً . تقول في
الماضي : ما فعلته أبدًا ، ولم أفعله أبدًا . وتقول في الحاضر والمستقبل : ما أفعله أبدًا ، ولا أفعله أبدًا . وتقول في
المستقبل : لن أفعله أبدًا . ويقال : تأبَّد الشيء . أي : بقى أبدًا . أي : مدة قد تطول ، وقد
تقصر . فإن أرادوا به الدوام ، قالوا : أبد آبد ، وأبد
أبيد . أي : دائم ؛ وذلك على التأكيد .
تأمل بعد ذلك قوله تعالى
في حق اليهود :﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن
نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا
دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ
عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ
غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا
أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا
هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾(المائدة: 22- 24) ، تجد كيف نفوا في الآية الأولى دخولهم الأول
الأرض المقدسة بـ( لن
) ، فقالوا :﴿ لَن نَّدْخُلَهَا ﴾ ،
وقيدوه بخروج القوم الجبارين منها ، وهم من بقايا قوم عاد ، فقالوا :﴿ حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا ﴾ . ولما كُرِّر عليهم أمر القتال في الآية الثانية ﴿ ادْخُلُوا
عَلَيْهِمُ الْبَابَ ﴾
، كرَّروا في الآية الثالثة
امتناعهم الدخول على سبيل التوكيد بالظرف المختص بالاستقبال ، وحقيقته التأبيد ،
فقالوا :﴿ لَن
نَّدْخُلَهَا أَبَدًا ﴾ ، ثم رجعوا إلى تعليق ذلك بديمومة الجبارين
فيها ، فقالوا :﴿
مَّا دَامُواْ فِيهَا ﴾ . أي : لن ندخلها أبدًا مدة وجود الجبارين
فيها ، فأبدلوا زمانًا مقيدًا ، من زمان هو ظاهر في العموم في الزمان المستقبل ،
فهو بدل بعض من كل .
ولو أنه قالوا في الآية
الأولى :( لا ندخلها ) ، وفي الثالثة :( لا ندخلها أبدًا ) ، فنفوا دخولهم الأول والثاني بـ( لا ) بدلاً من ( لن ) ، لأفاد قولهم استغراق نفي دخولهم جميع أجزاء
الزمن الحاضر والمستقبل ؛ فـ( لا ) في
نفي الأفعال مثل ( لا
) التبرئة في نفي النكرات
، بخلاف ( لن ) . وأما ( أبدًا ) فهو ظرف للمستقبل مع ( لن ) ، وللحال والمستقبل مع ( لا ) ، الغرض منه تأكيد ما دل عليه النفي بهما من التأبيد
؛ لأنه يقع للقليل والكثير كما تقدم .
وتأمل قوله تعالى في حق المشركين :﴿ َيا أَيُّهَا النَّاسُ
ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ
شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾(الحج : 73) ، تجد كيف نفى عجزهم عن خلق
الذباب ﴿ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً ﴾ بـ( لن ) التي تفيد استغراق النفي فيما
استقبل من أزمان أعمارهم ، وكيف نفى عجزهم عن استنقاذ ما يسلبهم الذباب ﴿ لَّا يَسْتَنقِذُوهُ ﴾ بـ( لا ) التي تفيد استغراق النفي مدة
حياتهم كلها . فما كان ممكنًا في ظنهم نفاه تعالى بـ( لن ) ، وما كان مستحيلاً استحالة
مطلقة نفاه بـ( لا ) ، والدليل على ذلك أن الذباب ،
وإن كان مخلوقًا ضعيفًا ، فإنه قد انفرد عن سائر الحيوان بأنه يفرز الهواضم على
جزئيَّات طعامه ، فيهضمه في مكانه قبل أن يمتصه بخرطومه ، فهو لا يمتصه بخرطومه
إلا متحوِّلاً مهضومًا ؛ ولذلك فإنه متى سلب شيئًا وامتصَّه ، فقد سلبه متغيِّرًا
متحوِّلاً ، تعجز كل وسائل العلم وأجهزته عن استنقاذه منه ؛ فإنه قد صار مهضومَ
طعام ذباب ، ولم يعد جزيئة من سكر أو زعفران أو عسل أو دقيق ، أو غير ذلك ؛ وذلك
قمة التحدِّي والإعجاز . وكلا النفيين لم يقيَّد بالأبد .
فإذا عرفت هذا ،
فاعلم أن تقييد النفي في قوله تعالى :﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ﴾ ، وقوله
تعالى:﴿ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا ﴾ بـ( الأبد
) لا يدل على تأبيد النفي
فيهما ؛ وإنما الذي يدل عليه هو أداة النفي والفعل المنفي بها . فثبت بذلك أن قوله
تعالى :﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ﴾ يفيد نفي تمنيهم الموت فيما يستقبل من أزمان
أعمارهم على سبيل الاستغراق والشمول . أي : آخر عمرهم ،
وهو زمن يكون فيه الإنسان أقل حرصًا على التمسك بالحياة من أيام الشباب والكهولة .
وأما قوله تعالى :﴿ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا ﴾ فأفاد نفي تمنيهم الموت مدة حياتهم في الدنيا
على سبيل الاستغراق والشمول . أي من أول عمرهم إلى موتهم . وبهذا يظهر لك سر الفرق بين القولين ، فتأمله وقس
عليه ما يرد عليك من نظائره في كلام الله عز وجل الذي أعجز أرباب الفصاحة والبيان
، فحنوا له الرقاب .. نسأله سبحانه أن يجعلنا من الذين يفقهون كلامه ، ويدركون
أسرار بيانه ، والحمد لله رب العالمين !
بقلم : محمد إسماعيل عتوك