صفحة المقالات
روابط فرعية
رتب
دليل العرب الشمامل
تسجيل دخول
اسم المستخدم :

كلمة المرور :


فقدان كلمة المرور ؟

إشترك الآن
استمع إلى القرآن الكريم



الإعجاز البياني: كل يعمل على شاكلته   بتاريخ: 2010/2/27
 
كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ

كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ

﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (الإسراء: 84)

أولاً- هذه الآية الكريمة من الآيات التي تجري مجرى المثل ، وهي كلمة مفاصلة قاطعة للنزاع الناجم عن كون كل يدعى أنه على الحق ، وان مذهبه هو الصوب ، وأن طريقته هي المثلى ، وأن سبيله هو الأنفع والأجدى . والغرض منها تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كيفية التخلص من الجدل العقيم والحوار غير المثمر ، وقد سبق ذلك قوله تعالى :﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً (الإسراء:82) ، فبيَّن سبحانه أنه ينزل من القرآن ما هو شفاء لأدواء النفوس ، ورحمة للمؤمنين ، فيزدادون به إيمانًا . وأما الظالمون فلا يزدادون به إلا خسارًا . أي : نقصانًا ؛ لتكذيبهم به وكفرهم وعنادهم ؛ كما قال تعالى :﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (التوبة: 125) . وعن النبي صلى الله عليه وسلم :« من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله » .

ثم قال تعالى :﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسًا (الإسراء: 83) ، فوصف الإنسان بأنه إذا أنعم ربه عليه بالصحة والسعة ، أعرض عنه ونأى بجانبه ، بطرًا واستكبارًا . وإذا مسه الشر من فقر أو مرض أو نازلة من النوازل ، كان شديد اليأس من روح الله ، كثير القنوط من رحمته ؛ لأنه لا يؤمن بالله تعالى ، ولا يثق برحمته وفضله . فالنعمة تطغي وتبطر ما لم يذكر الإنسان واهبها ، فيحمده ويشكره , والشدة تيئس وتقنط ما لم يتصل الإنسان بخالقه , فيرجو ويأمل ويطمئن إلى رحمة الله وفضله , فيتفاءل ويستبشر . ومن هنا تتجلى قيمة الإيمان ، وما فيه من رحمة في السراء والضراء سواء .

وبعد أن ذكر الله تعالى حال الفريقين ، عقَّب على ذلك بقوله :﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (الإسراء: 84) ، فقرَّر سبحانه أن كل واحد من الفريقين : المؤمن والكافر ، والمعرض والمقبل ، والراجي والقانط ، يعمل ما يوافق مذهبه ويلائم طريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلال ، والخير والشر ، والحسن والقبح ، وكل منهما ينفق مما عنده ؛ فعمل المرء دال عليه ، و« كل إناء بما فيه ينضح » .

وقال الرازي في التفسير الكبير :« وفيه وجه آخر ، وهو أن المراد : أن كل أحد يفعل على وفق ما شاكل جوهر نفسه ومقتضى روحه ؛ فإن كانت نفسه نفسًا مشرقة خيرة طاهرة علوية ، صدرت عنه أفعال فاضلة كريمة ، وإن كانت نفسه نفسًا كدرة نذلة خبيثة مضلة ظلمانية ، صدرت عنه أفعال خسيسة فاسدة » .

والحكم في النهاية على المذاهب والاتجاهات والطبائع ، وما يصدر عنها من أعمال موكول للباري عز وجل ، وهذا ما عبَّر تعالى عنه بقوله :﴿ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا . أَيْ : فربكم الذي برأكم أعلم بمن هو منكم أسدّ مذهبًا ، وأوضح طريقًا ، وأقوم منهاجًا .

وفي هذا التقرير تهديد خفي , بعاقبة العمل والاتجاه , ليأخذ كل حذره , ويحاول أن يسلك سبيل الهدى ، ويجد طريقه إلى الله عز وجل . ومما تجدر الإشارة إليه هنا : أن صاحب كتاب المنازل قد صدَّر ( باب الإرادة ) بهذه الآية الكريمة :﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ﴾ . قال ابن قيم الجوزية :« وفي تصديره الباب بهذه الآية دلالة على عظم قدره وجلالة محله من هذا العلم ؛ فإن معنى الآية : كل يعمل على ما يشاكله ويناسبه ويليق به ؛ فالفاجر يعمل على ما يليق به ، وكذلك الكافر والمنافق ومريد الدنيا وجيفتها عامل على ما يناسبه ولا يليق به سواه .. فكل امرىء يهفو إلى ما يحبه ، وكل امرىء يصبو إلى ما يناسبه ؛ فالمريد الصادق المحب لله يعمل ما هو اللائق به والمناسب له ، فهو يعمل على شاكلة إرادته ، وما هو الأليق به والأنسب لها » .

ونظير الآية قول الله عز وجل :﴿ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ﴾(الأنعام: 135) . أي : اعملوا على غاية تمكنكم ونهاية استطاعتكم . يعني : اعملوا ما انتم عاملون ، واثبتوا على كفركم وعداوتكم . وقيل : على ما جبلتم عليه ، فإني عامل على ما كتب عليَّ من المصابرة والثبات على الإسلام والاستمرار على الأعمال الصالحة . والأمر ﴿ اعْمَلُوا للتهديد والوعيد .

ثانيًا- وافتتاح الآية الكريمة بهذا الأمر الإلهي الحاسم ﴿ قُلْ ﴾ لإِظهار العناية بما بعد القول ، وهو افتتاح مُوحٍ بأن الأمر هو أمر الله عز وجل وحده ، وأنه ليس لمحمد صلى الله عليه وسلم فيه شيء ؛ إنما هو الله الآمر الذي لا مردَّ لأمره ، والحاكم الذي لا رادَّ لحكمه . ونظير ذلك قوله تعالى : 

﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (الكافرون: 1) ، ﴿ وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ (يونس: 41) .

وقوله تعالى :﴿ عَلَى شَاكِلَتِهِ ﴾ متعلق بـ:﴿ يَعْمَلُ ﴾ . والشَّاكلةُ : أحسنُ ما قيل فيها ما قاله الزجَّاج والزَّمخشريُّ : أنها مذهبه وطريقته ؛ من قولهم :( طريق ذو شَواكلَ ) ، وهي الطرق التي تشعَّبت منه . والدليل عليه قوله تعالى :﴿ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا .

وقال ابن عباس وسعيد بن جبير : على شاكلته . أي : على ناحيته . وقال مجاهد : على طبيعته . وقال أبو عبيدة : على ناحيته وخليقته . وقال ابن قتيبة : على خليقته وطبيعته . وقال الفراء : الشاكلة : الناحية ، والجديلة ، والطريقة ، سمعت بعض العرب يقول : وعبد الملك إِذ ذاك على جديلته ، وابن الزبير على جديلته . يريد : على ناحيته ، وهو من الشكل . يقال : لستَ على شكلي ، ولا شاكلتي . وقال ابن زيد : على دينه . وقال الحسن : على نِيَّته ، وهذه الأقوال كلها متقاربة .

وقال تعالى :﴿ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ﴾ ، ولم يقل : ( يَفْعَلُ ) ؛ لأن الفعل أعم من العمل ، وهو عبارة عن إيجاد الأثر في الشيء بسرعة من غير بطء ؛ سواء كان عن سبب ، أو غير سبب ، ويقال لما كان بإجَادَةٍ وبدونها ، ولما كان بعلم أو بغير علم ، وقصد أو بغير قصد ، ولما كان من الإنسان والحيوان والجماد . أما العمل فهو أخص من الفعل ، وهو عبارة عن إيجاد الأثر في الشيء مع امتداد زمان ، ولا يقال إلا لما كان من الإنسان دون ما كان من الجماد ، ولما كان بقصد وعلم دون ما لم يكن عن قصد وعلم . يقال : فلان يعمل الطين خزفًا . ولا يقال : يفعل ذلك ؛ لأن فعل ذلك الشيء هو إيجاده على وجه السرعة من غير بطء ، على ما ذكرنا .

ولمعرفة هذا الفرق بين الفعلين تأمل قوله تعالى:﴿ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ (البقرة: 25) ، وقوله :﴿ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (الحج: 77) ، كيف عبَّر في الأول بفعل ( عملوا ) ، حيث كان المقصود المثابرة على عمل الصالحات ، لا الإتيان بها مرة ، أو بسرعة ، وكيف عبَّر في الثاني بفعل ( وافعلوا ) ، حيث كان المقصود سرعة الإتيان بالخير ؛ وكأنه قيل : سارعوا في فعل الخير ؛ كما قال تعالى :﴿ فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ (البقرة: 148) . وقال سبحانه :﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (المؤمنون: 4) ؛ لأن المقصود من ذلك : أنهم يأتون بالزكاة على وجه السرعة ، من غير توان أو بطء .

ثالثًا- وفي قوله تعالى :﴿ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ﴾ ما يسأل عنه ؛ وهو : لم قال تعالى :﴿ كُلٌّ يَعْمَلُ ﴾ ، بتوحيد الخبر ، ولم يقل :( كل يعملون ) بصيغة الجمع ؛ كما قال تعالى في آية أخرى :﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (الأنبياء: 33) ؟

ويجاب عن ذلك بأن لفظ ( كل ) من ألفاظ العموم ، ويدل على الإحاطة بالشيء ، وهو اسم واحد في لفظه ، جمع في معناه ، لازم للإضافة ، وأصله أن يستعمل توكيدًا ، والأحسن استعماله في ابتداء الكلام . وحقه ، إن استعمل مبتدأ ، أن يضاف لفظًا إلى نكرة شائعة في الجنس من حيث اقتضى لفظه الإحاطة ، أو يضاف إلى معرفة ، أو يجرد من الإضافة .

1- فإذا أضيف إلى نكرة ، تعين اعتبار المعنى ، فيما له من ضمير وغيره . والمراد باعتبار المعنى : أن يكون على حسب المضاف إليه ، إن كان مفردًا فمفرد ، وإن كان مثنى فمثنى ، وإن كان جمعًا فجمع ، وإن كان مذكرًا فمذكر ، وإن كان مؤنثًا فمؤنث . تقول : كل رجل عاقل ، وكل رجلين عاقلان ، وكل رجال عاقلون . وكل امرأة عاقلة ، وكل امرأتين عاقلتان ، وكل نساء عاقلات . ومن المفرد المذكر والمؤنث قوله تعالى :﴿ وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ (الإسراء: 13) ، ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾(الأنبياء: 35) . 

2- وإذا أضيف إلى معرفة ، حسُن في خبره أن يكون مفردًا مراعاة للفظه ، وقد كثرت إضافته إلى ضمير الجمع ، والخبر عنه مفرد . تقول : كلكم ذاهب ، وكلهم عاقل ؛ كما قال تعالى :﴿ وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴾(مريم: 95) ، وكما ورد في الحديث الصحيح :« كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته » ، فأفرد الخبر حملاً على لفظ ( كل ) ، وهو مضاف إلى ضمير الجمع . ولا يجوز أن يقال : كلكم راعون ، وكلكم مسئولون ، بجمع الخبر حملاً على مغنى ( كل ) ، وفاقًا للشيخ السهيلي ، وخلافًا للجمهور ومن قال بقولهم ؛ كالدكتور فاضل السامرائي في ( لمسات بيانية ) . 

قال الشيخ السهيلي في نتائج الفكر في النحو :« وإنما حسُن إفراد الخبر فيما أضيف فيه ( كل ) لمعرفة ملفوظ بها ؛ لأن من حق ( كل ) أن يكون مضافًا إلى اسم منكر شائع في الجنس ، من حيث اقتضى الإحاطة . فإن أضفته إلى معرفة ؛ كقولك : كل إخوتك ذاهب ، قبح إلا في الابتداء ؛ لأنه إذا كان مبتدأ في هذا الموطن ، كان خبره بلفظ الإفراد ، تنبيهًا على أن أصله أن يضاف إلى نكرة ؛ لأن النكرة شائعة في الجنس ، وهو أيضًا يطلب جنسًا يحيط به . فإما أن تقول : كل واحد من إخوتك ذاهب ، فيدل إفراد الخبر على المعنى الذي هو الأصل ، وهو إضافته إلى اسم مفرد نكرة » .

ثم قال :« وإن كانت مضافة إلى ما بعدها في اللفظ ، لم تجد خبرها إلا مفردًا ، للحكمة التي قدمتها قبل ؛ وهي أن الأصل إضافتها إلى النكرة المفردة ، فتقول : كل إخوتك ذاهب . أي : كل واحد منهم ذاهب . ولم يلزم ذلك حين قطعتها عن الإضافة ، فقلت : كل ذاهبون ؛ لأن اعتمادها إذا أفردت على المذكورين قبلها ، وعلى ما في معناها من معنى الجمع ، واعتمادها إذا أضيفت على الاسم المفرد ؛ إما لفظًا ، وإما تقديرًا ؛ كقوله : كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته . ولم يقل : راعون ومسئولون » .

ومما أضيف فيه ( كل ) إلى المعرفة لفظًا قوله تعالى :﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾(مريم: 93) . قال أبو البقاء العُكْبَرِيُّ في إعراب القرآن :« ووحد ( آتِي ) حَمْلاً على لفظ ( كل ) ، وقد جمع في موضع آخر ، حَمْلاً على معناها » .

وعقَّب شهاب الدين على قول العكبري قائلاً :« قوله : في موضع آخر ، إن عنى في القرآن ، فلم يأت الجمع إلا و( كل ) مقطوعة عن الإضافة ؛ نحو :﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (الأنبياء: 33) ، ﴿ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (النمل : 87) . وإن عنى في غيره ، فيحتاج إلى سماع عن العرب » .

وقال أبو حيان في البحر :« و( كل ) إذا أضيف إلى معرفة ملفوظ بها ؛ نحو :( كلهم ) ، و( كل الناس ) ، فالمنقول أنه يجوز أن يعود الضمير مفردًا على لفظ ( كل ) ، فتقول :( كلكم ذاهب ) ، ويجوز أن يعود جمعًا مراعاة للمعنى ، فتقول : ( كلكم ذاهبون ) ، وحكى إبراهيم بن أصبغ في كتاب رؤوس المسائل الاتفاق على جواز الوجهين .. وقد خدش في ذلك أبو زيد السهيلي ، فقال : ( كل ) إذا ابتدئت وكانت مضافة لفظًا- يعني : إلى معرفة- فلا يحسن إلا إفراد الخبر حَمْلاً على المعنى . تقول : كلكم ذاهب . أي : كل واحد منكم ذاهب . هكذا هذه المسألة في القرآن والحديث والكلام الفصيح » .

وأضاف أبو حيان قائلاً :« ويحتاج في إثبات ( كلكم ذاهبون ) ، بالجمع ونحوه ، إلى سماع ، ونقل عن العرب . أما إن حذف المضاف المعرفة فالمسموع من العرب الوجهان » .

وقال مرتضى الزّبيدي في تاج العروس :« نقل الشيخ تقي الدين السبكي عن شيخه أبي حيان ، قال : ولا يكاد يوجد في لسان العرب : كلهم يقومون ، ولا كلهن قائمات ، وإن كان موجودًا في تمثيل كثير من النحاة . ونقل عن ابن السراج أن ( كلا ) لا يقع على واحد في معنى الجمع ؛ إلا وذلك الواحد نكرة . وهذا يقتضي امتناع إضافة كل إلى المفرد المعرف بالألف واللام التي يراد بها العموم » .

3- وإذا قطع عن الإضافة لفظًا ، فحقه أن يبتدأ الكلام به ، فيكون مبتدأ يخبر عنه ، أو مبتدأ باللفظ منصوب بفعل بعده لا قبله ، أو مجرور يتعلق خافضه بما بعده ؛ نحو قوله تعالى :﴿ وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ (النساء: 95) ، وقول ابن الدُّمَيْنَة :

بكلٍّ تَدَاوَينْا فلم يَشْفِ ما بنا ... عَلَى أنّ قُربَ الدَّارِ خيرٌُ من البُعْد

فإن كان مبتدأ ، جاز في خبره الإفراد مراعاة للفظه ، وجاز الجمع مراعاة لمعناه . قيل : والجمع هو الأكثر والأحسن . تقول : كل ذاهب أو يذهب ، وكل ذاهبون أو يذهبون . وعلى الأول ورد قوله تعالى :﴿ قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا ﴾(طه: 135) ، ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ (الإسراء: 84) . وعلى الثاني ورد قوله تعالى :﴿ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (الأنبياء: 93) ، ﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (الأنبياء: 33) .

وهذا الذي ذكرناه هو مذهب الجمهور ، وخالف في ذلك الشيخ السهيلي ، فذهب إلى القول :« وإذا قطعت عن الإضافة وأخذ عنها ، فحقها أن تكون ابتداء ، ويكون خبرها جمعًا ، ولا بد من مذكورين قبلها ؛ لأنها إن لم تذكر قبلها جملة ولا أضيف إلى جملة ، بطل معنى الإحاطة فيها ، ولم يعقل لها معنى . وإنما وجب أن يكون خبرها جمعًا ؛ لأنها اسم في معنى الجمع ، فتقول : كل ذاهبون ، إذا تقدم ذكر قوم ؛ لأنك معتمد في المعنى عليهم ، وإن كنت مخبرًا عن ( كل ) ، فصارت بمنزلة قولك : الرهط ذاهبون ، والنفر منطلقون ؛ لأن الرهط والنفر اسمان مفردان ؛ ولكنهما في معنى الجمع  » .

واستطرد السهيلي قائلاً :« فإن قيل : فقد ورد في القرآن :﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ﴾(الإسراء: 84) ، ﴿ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (ق: 14) ، وهذا يناقض ما أصلتم . قيل : إن في هاتين الآيتين قرينة تقتضي تخصيص المعنى بهذا اللفظ ، دون غيره .

أما قوله تعالى :﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ﴾(الإسراء: 84) فلأن قبلها ذكر فريقين مختلفين : ذكر مؤمنين ، وظالمين . فلو قال :( يعملون ) ، وجمعهم في الإخبار عنهم ، لبطل معنى الاختلاف ، فكان لفظ الإفراد أدل على المعنى المراد ؛ كأنه يقول : كل فهو يعمل على شاكلته .

وأما قوله :﴿ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (ق: 14) فلأنه ذكر قرونًا وأممًا ، وختم ذكرهم بذكر قوم تبع ، فلو قال :( كل كذبوا ) ، و( كل ) إذا أفردت ، إنما تعتمد على أقرب المذكورين إليها ، فكان يذهب الوهم إلى أن الإخبار عن قوم تبع خاصة بأنهم كذبوا الرسل . فلما قال :﴿ كُلٌّ كَذَّبَ ، علم أنه يريد كل فريق منهم ؛ لأن إفراد الخبر عن ( كل ) حيث وقع إنما يدل على هذا المعنى » .

رابعًا- إذا عرفت هذا ، فاعلم أنك إذا قلت :( كل ذاهبون ) ، بجمع الخبر حملاً على معنى ( كل ) ، احتمل أن يكون كل واحد منهم ذاهب بمفرده ، واحتمل أن يكونوا اجتمعوا كلهم في الذهاب ، وفي زمن واحد ؛ لأنك أخبرت عن جملتهم بخبر واقع عن الجملة . وهذا بخلاف ، لو أنك قلت :( كلكم ذاهب ) ، أو ( كل ذاهب ) ؛ فإنما هو إخبار عن ذهاب كل واحد منهم على حدة ، وفي أزمان متفرقة .

فتأمل على هذا قوله تعالى :﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ(البقرة: 285) ، ﴿ قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا ﴾(طه: 135) ، كيف أفرد الخبر فيهما ؛ لأنه لم يرد اجتماعهم فيه . وقال تعالى :﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (الأنبياء: 33) ، ﴿ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (الأنبياء: 93) ، فجمع الخبر فيهما ؛ لأنه أريد الاجتماع فيه .

قال ابن قيم الجوزية :« ولا يرد على هذا بقوله تعالى :﴿ وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ (الروم: 26) ؛ بل هو تحقيق له وشاهد ؛ لأن القنوت هنا هو العبودية العامة التي يشترك فيها أهل السموات والأرض ، لا يختص بها بعضهم عن بعض ، ولا يختص بزمان دون زمان ، وهي عبودية القهر . فالقنوت هنا قنوت قهر وذل ، لا قنوت طاعة ومحبة . وهذا بخلاف قوله تعالى :﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (الرحمن: 26) ؛ فإنه أفرد ، لما لم يجتمعوا في الفناء . ونظيره قوله : كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته ، فإن الله تعالى يسأل كل راع بمفرده .

وتأمل كيف كشف قناع هذا المعنى وأوضحه كل الإيضاح بقوله تعالى :﴿ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (مريم: 95) ، كيف أفرد ( آتيه ) ، لما كان المقصود الإشارة إلى أنهم ، وإن أتوه جميعًا ، فكل واحد منهم منفرد عن كل فريق ، من صاحب ، أو قريب ، أو رفيق ؛ بل هو وحده منفرد ، فكأنه إنما أتاه وحده ، وإن أتاه مع غيره ، لانقطاع تبعيته للغير ، وانفراده بشأن نفسه » .

وانتهى ابن قيم الجوزية من ذلك إلى القول :« فهذا عندي أحسن من الفرق بالإضافة وقطعها ، والفرق بذلك فرقه السهيلي- رحمه الله تعالى- فتأمل الفرقيْن ، واستقرأ الأمثلة والشواهد » .

  

بقلم : محمد إسماعيل عتوك

 

 

 تحظير للطباعة أخبر صديقك
العودة للقسم
أقسام المقالات
جديد المفالات
أفضل المقالات
مواقع مشابهة
 
 
الكوثر للبرمجيات جميع الحقوق محفوظة لموقع أسرار الإعجاز البياني في القرآن الكريم