| الإعجاز البياني: بطون الأنعام بين التذكير والتأنيث | بتاريخ: 2010/1/6 |
|
اللبن للأنثى سَقْيٌ وللذكر إِلْقَاحٌ قال الله عز وجل :﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم
مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن
بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ ﴾(النحل: 66)، وقال سبحانه :﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي
بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا
تَأْكُلُونَ ﴾(المؤمنون:
21) ، فأتى بضمير الأنعام
في الآية الأولى ﴿ فِي بُطُونِهِ ﴾ مذكَّرًا مفردًا ، وأتى به في الآية الثانية ﴿ فِي بُطُونِهَا ﴾
مؤنَّثًا جمعًا . والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : لم أتى ضمير
الأنعام في الآية الأولى مذكَّرًا مفردًا ، وأتى في الآية الثانية مؤنَّثًا جمعًا
؟ وهل من فرق بينهما ؟ وفي الإجابة عن ذلك نقول ، وبالله المستعان ، وعليه التكلان
: أولاً- ذهب الجوهري في الصحاح إلى أن « الأنعام » جمع :« نَعَْم » ، بفتح العين وسكونها ،
وأحسن منه قول من ذهب إلى أن « النَّعَم » بفتح العين ، اسم جنس ، والغالب في استعماله التذكير . يقولون :« هذا نَعَم وارد » ، وأكثر ما يقع على الإبل
. وسُمِّيَ بذلك لكون الإبل عند العرب أعظم نعمة . قال تعالى :﴿ فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ﴾ . وأما « الأنعام » فهو اسم جمع ، يستوي فيه المذكر والمؤنث ،
ويقال للإبل والبقر والغنم . وقيل :« لا يقال لها : أنعام ،
حتى يكون في جملتها الإبل » . أما ضميره العائد عليه
فيُذكَّر ويُفرَد نظرًا للفظه ، ويُؤنَّث ويُجمَع نظرًا لمعناه . وعلى الأول جاء
قوله تعالى :﴿ فِي بُطُونِهِ ﴾ ، وعلى الثاني جاء قوله تعالى :﴿ فِي بُطُونِهِا ﴾ ، فذكِّر الضمير وأُفرِد في الأول ، نظرًا
للفظ « الأنعام » ؛ إذ هو مفرد في اللفظ . وأنِّث وجُمِع في
الثاني ، نظرًا لمعنى « الأنعام » ؛ إذ هو في معنى الجمع . وهذا من أحسن ما أجيب به
؛ إذ به ينتظم المعنى انتظامًا حسنًا ، وأحسن منه ما سنذكره في الفقرة
الثانية . ثانيًا- وسئل الدكتور فاضل السامرائي في برنامج ( لمسات بيانية ) الذي تبثُّه قناة الشارقة الفضائية عن الفرق
بين ( بُطُونِهِ ) في آية النحل ، و( بًطُونِهَا ) في آية المؤمنين ، فأجاب بالآتي :« آية
النحل تتحدث عن إسقاء اللبن من بطون الأنعام ، واللبن لا يخرج من جميع الأنعام ؛ بل يخرج من قسم
من الإناث . أما آية المؤمنون فالكلام فيها
على منافع الأنعام ، من لبن وغيره ، وهي منافع عامة تعم
جميع الأنعام ،
ذكورها وإناثها ، صغارها وكبارها ، فجاء بـ( ضمير القلة
) ، وهو ضمير الذكور للأنعام التي يستخلص منها اللبن ، وهي أقل من عموم الأنعام .
وجاء بـ( ضمير الكثرة ) ،
وهو ضمير الإناث لعموم الأنعام » . وانتهى الدكتور السامرائي
من ذلك إلى القول :« وهذا
جار وفق قاعدة التعبير في العربية التي تفيد أن المؤنث يؤتى به للدلالة على الكثرة ،
بخلاف المذكر ؛ وذلك في مواطن عدة ، كالضمير ، واسم الإشارة ، وغيرهما » . وهذا الجواب لمن تأمله يحتاج- كما يقول أبو حيان فيما هو من مثله-
إلى تأويل ؛ إذ كيف يعبَّر بضمير الذكور ( بُطُونِهِ ) للأنعام التي يستخلص منها اللبن ؟ وكيف يدل
هذا الضمير على قلَّة الأنعام ، ويدل ضمير الإناث في ( بًطُونِهَا ) على كثرتها ، والأنعام هي هيَ من حيث العدد في
الآيتين ؟ أما قاعدته السحرية التي بَنَى عليها هذا
الجواب فهي نفس القاعدة التي كان غافلاً عنها ، ثم تذكرها حين سئل :(
ما الآية التي استعصت عليك ،
ووقفت عليها طويلاً ، لاستكشاف اللمسات البيانية فيها ؟ ) ، وهي نفس القاعدة التي يعتمد عليها في إجابته
عن الفرق بين ما يعبر عنه بالمذكر ، وما يعبر عنه بالمؤنث ، في كثير من آيات
القرآن الكريم . ولست أدري ما علاقة هذه القاعدة - إن كان لها وجود - بتذكير بطون
الأنعام تارة ، وتأنيثها تارة أخرى ، وقد سبق أن ذكرت أن ( الأنعام ) اسم جمع يطلق على القليل منها والكثير ،
ويستوي فيه المذكر والمؤنث ، وأن ضميره العائد عليه يُذكَّر ويُفرَد تارة نظرًا
للفظه ، ويُؤنَّث ويُجمَع تارة أخرى نظرًا لمعناه ، وكلاهما عربي فصيح . ولا علاقة
لذلك بقلة أو كثرة ، ومن يقول غير ذلك فإنه يجهل لغة
العرب ولغة القرآن ، ولا يعرف شيئًا عن أسرار بيانها ، فضلاً عن أن يدركها .. ومن
يتأمل الآيتين ويتدبر معناهما جيِّدًا ، يجد سر الاختلاف
في التعبير بين ( بُطُونِهِ ) في آية النحل ، ( بًطُونِهَا ) في آية المؤمنين يرجع إلى أمرين : أحدهما : أن آية النحل تتحدث عن إسقاء اللبن خاصَّة كنعمة أنعمها الله عز وجل على
عباده ، وهي مسوقة لتنبيه العقول على عظيم قدرة الله عز وجل ، بخروج اللبن من بين
الفرث والدم خالصًا سائغًا للشاربين ، وقد جمعهما وعاء واحد ، وتوجيه تلك العقول
إلى الاعتبار بما في حكمة الله عز وجل من إبداع في خلقه ، وروعة في صنعه . وأما
آية المؤمنين فتتحدث عن إسقاء اللبن ، ومنافع الأنعام عامة ؛ ومن هذه المنافع :
أكل لحومها ؛ وبذلك اختلفت وجهتا الكلام في الآيتين . ومن هنا لا يجوز قياس
إحداهما على الأخرى ، فتأنيث الضمير وجمعه في الآية
الثانية يتطلبه السياق ، خلافًا للآية الأولى ، ولا يجوز العكس فيهما . والثاني : اللبن في الحقيقة ينسب للذكر ، وإن كان يخرج
من بطن الأنثى ؛
لأن الذكر هو السبب المباشر في وجود اللبن . ومن هنا قيل :« اللبن للأنثى سَقْيٌ ، وللذكر إِلْقَاحٌ » ، فجرى الاشتراك بينهما
فيه ؛ ولذلك قضَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأن اللبن للفحْل ، حين أنكرته
عائشةُ رضي الله عنها ؛ وذلك في حديث أَفْلَحَ أخي أبي القُعَيْس . فعن عائشةَ رضي الله عنها قالت : دخل عليَّ أَفْلَحُ
بنُ أبي القُعَيْس ، فاستَترت منه ، فقال : تستترين مني ، وأنا عمك ؟ قالت : قلت :
من أينَ ؟ قال : أرضَعتك امرأة أخي . قالت : إنما
أرضعتني المرأة ، ولم يرضِعني الرجل ، فدخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فحدَّثته ، فقال :« إنه عمُّك ، فَلْيَلِجْ عليك » . وفي رواية أخرى :« إنه عمُّك ، فَأْذَني له » . وهكذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن لبن الفحل يحرم بقوله :« إنه عمُّك » . فلما كان سبب اللبن
هو ماء الرجل والمرأة جميعًا ، وجب أن يكون الرضاع منهما ؛ كما كان الولد لهما ،
وإن اختلف سببهما ؛ وكما أن الجد لما كان سببًا في الولد ، تعلق تحريم ولد الولد
به ؛ كتعلقه بولده ؛ وكذلك حكم الرجل والمرأة . وقد سُئِل ابن عباس رضي الله عنهما
عن رجل له امرأتان ، فأرضعت إحداهما غلامًا ، والأخرى
جارية ، فقال :« لا يجوز للغلام أن يتزوج الجارية ؛ لأن اللقاح واحد » . أي : الأمهات ، وإن
افترقن ، فإن الأب الذي هو سبب اللبن للمرأتين واحد ، فالغلام والجارية أخوان لأب
من الرضاع . وقياسًا على ما تقدم يقال : إن الله تعالى أتى في الآية الأولى بضمير ( الأنعام ) مفردًا مذكَّرًا هكذا :﴿ بُطُونِهِ ﴾ ،
إشارة منه جل وعلا إلى أن للذكر نصيب في لبن الأنثى ، وأنه لولا إلقاح الذكر
الأنثى ، لما كان هناك لبن أصلاً . فثبت أن ( اللبن للأنثى سَقْيٌ ، وللذكر
إلقاحٌ ) ؛ لأنه السبب في إيجاده . وجيء به مؤنَّثًا جمعًا في
الآية الثانية هكذا :﴿ بُطُونِهَا ﴾ ؛ لأن المقام يتطلب التأنيث
والجمع ؛ كما جيء به كذلك في قوله تعالى في النحل :﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ
مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾(النحل: 69) ؛ وذلك
لأن إنتاج العسل للأنثى ، وليس للذكر فيه نصيب . فثبت بذلك – كما قال الدكتور أيمن محمد صبري فرج حماد في مقال له نشر في موقع موسوعة
الإعجاز العلمي في القرآن والسنة بعنوان
(
بطون الأنعام وبطون
النحل
)
:«
إن إنتاج اللبن عملية بيولوجية ،
لا تستغني عن وجود الذكر بحال من الأحوال ، وليس الأمر كذلك فيما يخص إنتاج العسل
في عالم النحل
» .. وهكذا نرى أن اختلاف الضمير
في الآيتين لم يأت هكذا عبثًا ؛ بل قُصِد إليه قصدًا ، وهذا يشكل إعجازًا علميًا
من إعجاز القرآن إلى جانب إعجازه البياني .. والله تعالى أعلم بأسرار كلامه !
بقلم : محمد إسماعيل عتوك
|
![]() |
| العودة للقسم |







جديد المفالات