| مقالات متنوعة: من آيات الباري عز وجل | بتاريخ: 2009/10/26 |
|
من آيات الباري عز وجل قال الباري عز وجل :﴿
فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ *
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ
تُظْهِرُونَ*يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ
الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ *
وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ
ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ * وَمِنْ
آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا
لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ
مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾(الروم: 17- 21) أولاً-
يتضمن
هذا النص القرآني آيتين ربانيَّتين من آيات الباري عز وجل ، قدم لهما سبحانه بدعوة
الخلق إلى تنزيهه اللائق به حين
يمسون ، وحين يصبحون ، وعشاء وحين يظهرون ، هربًا من وبيل عقابه وطلبًا لجزيل ثوابه ، ووسَّط بينهما بذكر الحمد الذي خصَّ به نفسه في هذا الكون العريض ،
فأفاد اعتراضه بين تلك الأوقات أن التسبيح لا لنفع يعود إليه سبحانه ؛ وإنما يعود
إلى المسبحبين ؛ لأن الله جل شأنه محمود في السموات والأرض . وقد جاءت هذه الدعوة
تعقيبًا على مشهد القيامة الذي صورته الآيات السابقة لهذه الآيات
، وهي قوله تعالى : ﴿ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ
تُرْجَعُونَ*وَيَوْمَ
تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ*وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا
بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ*وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ*فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ*وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا
وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ
مُحْضَرُونَ ﴾(الروم: 11- 16) . وفيها يخبر سبحانه أنه يبدأ الخلق ، ثم يعيده كما
بدأه ، وأن العباد مرجعهم إليه جميعًا . ويوم تقوم الساعة ، يتبين يأس المجرمين
المكذبين بالبعث من كل خير ، ويتحقق إبلاسهم ، فهم في يأس مصحوب بالحيرة ، ولم يكن
لهم شفعاء من شركائهم ، يومئذ يتفرق الناس إلى مؤمنين ، وكافرين : فأما المؤمنون ففي روضة من رياض الجنة يُحبَرون . أي :
يأتيهم كل ساعة أمر يُسَرُّون به ﴿ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ
مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُواْ فِيهَا ﴾(الحج: 22) ، وأما الكافرون ففي العذاب
محضَرون . أي : باقون فيه أبدًا ﴿ لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذَابُ ﴾(آل عمران:
88) . ثم عقَّب سبحانه على ذلك بقوله : ﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ *
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ*يُخْرِجُ
الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي
الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ . فأمر سبحانه بتنزيهه عن كل سوء . وقوله سبحانه
:﴿ فَسُبْحَانَ ﴾ لفظه : فُعْلانَ ،
وهو اسم للمصدر الذي هو التسبيح ، سُمِّيَ
به التسبيح ، وجُعِل علمًا له . والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها . واختلف المفسرون في
معناه ؛ فقال بعضهم : المراد منه الصلاة . أي : صلوا . ودليلهم عليه تقييده بالوقت ، ذكروا أنه أشار إلى الصلوات الخمس . وقال بعضهم :« أخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وابن المنذر عنه ، قال : جمعت هذه الآية
مواقيت الصلاة ﴿ فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ ﴾ المغرب والعشاء ، ﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ الفجر ، ﴿ وَعَشِيّاً ﴾ العصر ، ﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ الظهر ». وقال بعضهم :« أراد به مطلق التنزيه . أي : نزِّهوه عن صفات النقص ، وصفوه بصفات
الكمال » . واختار الإمام الرازي حمله على التنزيه- وهو
الصحيح- وعلَّل لذلك بقوله :« وهذا أقوى ، والمصير
إليه أولى ؛ لأنه يتضمن الأول ؛ وذلك لأن التنزيه المأمور به يتناول التنزيه
بالقلب وهو الاعتقاد الجازم ، وباللسان مع ذلك وهو الذكر الحسن ، وبالأركان معهما
جميعًا وهو العمل الصالح .والأول هو الأصل ، والثاني ثمرة الأول ، والثالث ثمرة
الثاني ؛ وذلك لأن الإنسان إذا اعتقد شيئًا ظهر من قلبه على لسانه ، وإذا قال ظهر
صدقه في مقاله من أحواله وأفعاله ، واللسان ترجمان الجنان ، والأركان برهان اللسان
؛ لكن الصلاة أفضل أعمال الأركان ، وهي مشتملة على الذكر باللسان والقصد بالجنان ،
وهو تنزيه في التحقيق .فإذا قال : نزهوني ، وهذا نوع من أنواع التنزيه ، والأمر
المطلق لا يختص بنوع دون نوع ، فيجب حمله على كل ما هو تنزيه ، فيكون أيضًا هذا
أمرًا بالصلاة .ثم إن قولنا يناسب ما تقدم ؛ وذلك لأن الله تعالى لما بين أن
المقام الأعلى والجزاء الأوفى لمن آمن وعمل الصالحات ، حيث قال :﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴾(الروم: 15) ، قال : إذا علمتم أن ذلك المقام لمن آمن وعمل
الصالحات ، والإيمان تنزيه بالجنان وتوحيد باللسان ، والعمل الصالح استعمال
الأركان ، والكل تنزيهات وتحميدات ، فسبحان الله . أي : فأتوا بذلك الذي هو الموصل
إلى الحبور في الرياض ، والحضور على الحياض » . وقال أبو حيان :«والظاهر أنه أمر عباده بتنزيهه في هذه الأوقات ، لما يتجدد فيها من
النعم .ويحتمل أن يكون كناية عن استغراق زمان العبد ،
وهو أن يكون ذاكرًا ربه ، واصفه بما يجب له على كل حال . وقال الزمخشري : لما ذكر
الوعد والوعيد ، أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد وينجي من الوعيد » . وأضاف أبو حيان قائلاً :«وقدم الإمساء على
الإصباح ؛ كما قدم في مكان آخر الليل على النهار ، والظلمات على النور ، وقابل
بالعشيِّ الإمساء ، وبالإظهار الإصباح ؛ لأن كلاًّ منهما يعقب بما يقابله ؛
فالعشيُّ يعقبه الإمساءُ ، والإصباحُ يعقبه الإظهارُ . ولما لم يتصرف من العشيِّ
فعلٌ - لا يقال : أعشى كما يقال : أمسى وأصبح وأظهر - جاء التركيب :﴿
وَعَشِيًّا ﴾ » . وقرأ عكرمة :﴿ حِينًا تُمْسُونَ وَحِينًا
تُصْبِحُونَ ﴾ بتنوين حين ، والتقدير : حينًا تمسون فيه ،
وحينًا تصبحون فيه . وجاء قوله تعالى :﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
معترضًا بين هذه الأوقات ، خلافًا لما عليه أكثر المفسرين من أنه معطوف على الجملة
التي قبله ، ومعناه : أن الحمد لله واجب على أهل السموات وأهل الأرض ، وقدم ﴿
لَهُ ﴾ لإفادة معنى الاختصاص .
ولما
ذكر تعالى بدأ الخلق وإعادته :﴿
اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ ،
ناسب ذكره قوله سبحانه :﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ
الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ﴾.واختلف المفسرون في تأويله
:
فقال أكثرهم : يخرج
الطائر من البيضة ، والبيضة من الطائر ، وكذلك الحيوان من النطفة ، والنطفة من
الحيوان . وقال بعضهم : يخرج المؤمن من الكافر ، والكافر من المؤمن . وقيل : يخرج
اليقظان من النائم ، والنائم من اليقظان . والقول الأول هو الصواب ، بدليل قوله
تعالى :﴿ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ .
أي : يحييها بعد
موتها بإخراج نباتها . وجيء بـ﴿
يَبْدَِأُ ﴾ ،
و﴿ يُعِيدُ ﴾ ، بصيغة المضارع ، لإفادة تجدد بدء الخلق وإعادته واستمراه دون
انقطاع ، كلما وجه الناظر بصره في المخلوقات من حوله . وتعقيبًا على الآية
قال سيد قطب :« تلك العملية
الدائبة التي
لا تكف ، ولا تني لحظة واحدة من لحظات الليل والنهار في كل مكان , على سطح الأرض
, وفي أجواز الفضاء , وفي أعماق البحار ، ففي كل لحظة يتم هذا التحول ؛ بل هذه المعجزة الخارقة التي لا ننتبه إليها لطول الألفة والتكرار ، في كل لحظة يخرج حي
من ميت ، ويخرج ميت من حي ، وفي كل لحظة يتحرك برعم ساكن من جوف حبة أو نواة ، فيفلقها
ويخرج إلى وجه
الحياة ، وفي كل لحظة يجف عود أو شجرة تستوفي أجلها فتتحول
إلى هشيم
أو حطام ، ومن خلال الهشيم والحطام توجد الحبة الجديدة الساكنة المتهيئة للحياة والإنبات ، ويوجد الغاز الذي ينطلق في الجو أو تتغذى به التربة , وتستعد للإخصاب
، وفي كل لحظة تدب الحياة في جنين : إنسان ، أو
حيوان ، أو طائر .. إنها دورة دائبة عجيبة رهيبة لمن
يتأملها بالحس الواعي والقلب البصير , ويراها
على هدى
القرآن ونوره المستمد من نور الله » . ولما ذكر الله عز وجل هذه الأمثلة التي تقضي بجواز بعث الأجساد عقلاً ، ساق سبحانه الخبر بأن الخروج من
القبور الطينية مثل ذلك الخروج من الأرض ، فقال :﴿
وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ ، فأخبر بذلك أن الأمر عادي واقعي لا غرابة فيه ، وليس بدعًا ممَّا يشهده الكون
في كل لحظة من لحظات الليل والنهار في
كل مكان ! وهكذا يتساوى بدأ الخلق ، وإعادته في حقه تعالى
؛ بل الإعادة أهون عليه ؛ كما قال سبحانه في آية أخرى :﴿ وَهُوَ الَّذِي
يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾(الروم: 27) . ثانيًا- وبعد أن أمر الله تعالى بتنزيهه فيما ذكر من
أوقات ، وذكر أن الحمد له وحده في السموات والأرض ، وبين قدرته على الإماتة
والإحياء ، ذكر سبحانه ما هو حجة ظاهرة وآية باهرة على ذلك ، فقال سبحانه : ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ
مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ *
وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ
مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ
مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾(الروم: 20- 21) . وهما آيتان ربَّانيَّتان مذهلتان من آيات الله
عز وجل المعجزة التي تدل على عظيم القدرة وكمالها ، وتدعو إلى التأمل والتدبر في هذا
الخلق العجيب ، والتسليم لهذا الخالق المبدع ، والخضوع له إجلالاً وتعظيمًا . الآية الأولى :﴿
وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ
تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ﴾(الروم: 20)
أما الآية الأولى فتخبر أن ابتداء خَلْق البشر الأوَّل كان من التراب مباشرة ، نبتوا من
الأرض كبارًا بالغين ؛ كما ينبت النبات تمامًا ، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة
:﴿ وَاللَّهُ
أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ﴾(نوح: 17) ، ثم إذا
هم بشرٌ ينتشرون في الأرض انتشار الجراد . ولما كان الخلق من التراب هو أبعد الأشياء عن
درجة الإحياء ، استبعد المشركون بعثهم أحياء بعد موتهم وكونهم ترابًا وعظامًا ؛ ومن ذلك ما
حكاه القرآن عنهم من قولهم على سبيل الإنكار : ﴿ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً
وَعِظَاماً أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ
هَيْهَات لِمَا تُوعَدُونَ ﴾(المؤمنون: 35- 36) . ﴿ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا
مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * َوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ ﴾(الواقعة:
47- 48)
. فيرد عليهم القرآن بقول الله عز وجل
:﴿ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ
وَالْآَخِرِينَ*لَمَجْمُوعُونَ
إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ﴾(الواقعة:
97- 50)
. وقال الله
عز وجل : ﴿ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ
الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾(الإسراء: 51) ﴿ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا
أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾(الرعد: 5) ﴿
وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ
جَدِيدٍ ﴾(السجدة: 10) ﴿
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ
إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ
جَدِيدٍ ﴾(سبأ: 7) فبيَّن
سبحانه حكاية عنهم أن الخلق الجديد أو الثاني الذي من تراب هو نفسه الخلق الأول
البشري من تراب ، خلافًا لما ذهب إليه المفسرون من أن المراد بالخلق الجديد :
الخلق من النطفة . ثم قال سبحانه : ﴿
أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ
جَدِيدٍ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ ﴾(ق: 15- 16)
، فأخبر أن من لم يعيَ بالخلق الأول ، لا يعيا بالإعادة ، سيعيدهم يوم البعث كما
فطرهم أول مرة ، هم وآباؤهم الأولون . والخلق
الأول هنا هو الخلق البشري من التراب ، وليس الخلق الإنساني من النطفة ، وإلا
لقال\:﴿ فَلَقَدْ خَلَقْنَا
الْإِنْسَانَ ﴾ ،عطفًا بالفاء على ما قبله ؛ ولكن الله سبحانه قال :﴿
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ ﴾ مستأنفًا
الكلام بالواو ؛ ليفيد أنه يسترسل بالحديث عنهم ؛ كما في قوله سبحانه :﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي
الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ
بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾(يس: 78- 79) . هذه
الآيات ومثلها كثير تؤكد أن الباري عز وجل خلق البشر الأول مباشرة من التراب
الساكن الميت . وقد قال سبحانه في آية أخرى :﴿
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ
الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ﴾(السجدة : 7) ،
وقال سبحانه :﴿
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ﴾(المؤمنون
: 12) . والطين هو مجموع التراب والماء ، وهو الأصل البعيد للإنسان
؛ ولكن في الآية التي نحن بصدد الحديث عنها اقتصر سبحانه على ذكر التراب ، وعقَّب عليه مباشرة بصورة البشر منتشرين يدبون على الأرض هنا وهناك ؛
ليقابل بها صورة الخلْق من التراب
الساكن الميت ؛
وذلك من بعد قوله سبحانه :﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ
الْمَيِّتِ
وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ﴾ ، تنسيقًا للعرض على طريقة القرآن- كما يقول سيد قطب- وإيحاءً كذلك بالصلة
الوثيقة بين البشر
، وهذه الأرض التي يعيشون عليها ، والتي يلتقون بها
في أصل تكوينهم , وفي النواميس
التي تحكمها
وتحكمهم في نطاق الوجود الكبير . وهذه النقلة الضخمة من صورة التراب الساكن الميت الزهيد إلى صورة البشر المتحرك تثير
التأمل في صنع الله ; وتستجيش الضمير للحمد والتسبيح لله ،
وتحرك القلب
لتمجيد الصانع المتفضل الكريم .
هذه الآية المعجزة من آيات الباري
جل وعلا حدثت مرة واحدة ، ولن تتكرَّر إلا يوم
البعث ، حيث يخرج الأموات أحياء ﴿ مِنَ
الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ
جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ ﴾(القمر: 7) . ففي
البداية خروج من رحم الأرض الطينية وانتشار ، وفي النهاية خروج من القبور الطينية وانتشار
، فتتساوى الإعادة مع البداية ، ويتحقق قول الله عز وجل :﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ
خَلْقٍ نُعِيدُهُ ﴾(الأنبياء: 104) ، ويتحقق خطاب الله عز
وجل للكافرين
:﴿ لَقَدْ
جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ
مَرَّةٍ ﴾(الكهف:
48) . الآية الثانية :﴿
وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ
مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ
مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾(الروم: 21) وأما الآية الثانية فتخبر أن ابتداء خلق الأزواج كان من أنفس هذه الأزواج ذاتها . أي : من جنسها ؛ لتبدأ بعد ذلك
مرحلة التزاوج بين الذكور والإناث ؛ وليتحقق السكن والمودة والرحمة بين الجنس
وجنسه . وهذه الحقبة هي التي عاصرها الإنسان وخاطبته الآية بقول الله تعالى :﴿ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ
أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ﴾ . والمراد بالأزواج هنا الأزواج التي خلقها الله سبحانه خِصِّيصًا لأولاد آدم
وحواء ، وكانوا ذكورًا ، خلقها الله سبحانه لهم من جنسهم ؛ ليتحقَّق لهم السكن
إليها ، وجعل بينهم مودَّة ورحمة . وأما ما يردده الناس من أن حوَّاء خلقت من ضلع آدم
الأعوج ، وأنها ولدت له عشرين بطنًا ، أو أربعين بطنًا ، وفي كل بطن ذكر وأنثى ،
وأن آدم كان يُزوِّج ذكر كل بطن بأنثى من بطن آخر ، فهو تصور توراتي كهنوتي لا
حقيقة له ، خلافًا لما عليه إجماع أهل التفسير . فالمخاطبون هنا ﴿ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ﴾ هم أولاد
آدم الذين أنجبتهم حواء ، وكانوا ذكورًا ، ثم أخبر الله عز وجل في آية أخرى أنه جعل من نسل هؤلاء الذكور
وأزواجهن اللواتي خلقهن لهم أزواجًا من إناثهم لذكورهم ، وجعل لهم بنين وحفدة ، فقال سبحانه :﴿
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ
أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ﴾(النحل: 72) ،
وعقَّب على ذلك بقوله تعالى :﴿ أَفَبِالْبَاطِلِ
يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴾(النحل:
72) . وهذا الخلق آية ربَّانيَّة أخرى من
آيات الباري عز وجل المعجزة التي لم تحدث إلا مرة واحدة ، ولن تتكرر إلا في الآخرة
؛ ولكن ليس
بصورة الخَلْق ؛ بل بصورة الإنشاء ، حيث ينشىء الله سبحانه في الجنة لأصحاب اليمين
أزواجًا أبكارًا ، عُرُبًا أتْرابًا . ينشؤهن لهم إنشاء ؛ كما قال سبحانه وتعالى:﴿ إِنَّا
أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً *
فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا
أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ﴾(الواقعة:
35- 38)
. أي : إنا ابتدأناهنَّ ابتداءًا جديدًا ، من غير
ولادة ، ولا خلق أوَّل . هذه الصورة صورة إنشاء الأزواج لأصحاب اليمين في الجنة مشابهة
لصورة خلق الأزواج من جنس الأنفس في الدنيا ومحاكية لها ،
وكان ذلك بعد خلْقِ آدم ، وجعْلِ حواء زوجًا له . والمفسرون يخلطون بين هذه الآية الكريمة ، وبين قوله تعالى :﴿
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ﴾(النحل:
72) ، ويفسرون
الخلْق في الأولى بمعنى الجَعْل ، وبذلك يسوون بين الآيتين . والفرق بين خلْق الأزواج من الأنفس
، وجَعْلها من الأنفس واضح ، بحيث لا يخفى على أحد إلا على الذين لا يفرقون بين
معاني الكلم ؛ فالأول يعني: إيجاد الأزواج من جنس الأنفس ، وفق خصائص معينة ، والثاني
يعني: التغيُّر في الصيرورة ، فالأزواج التي لم تكن أزواجًا من جنس الأنفس قد
صُيِّرت أزواجًا . فالجعل عملية تلي عملية الخلق ، ولا يمكن
أن يكون جَعْلٌ بدون خَلْقٍ .. وممَّا يؤكِّد هذا الفرق بين الآيتين : أن الله
تعالى أخبر عن هذا الخَلْق العجيب بأنه آية من آياته المعجزة الدالة على وحدانيته
وإلهيته ؛ لأن الخَلْقَ لا يكون إلا للباري جل وعلا ، ولا ينبغي أن يكون لغيره ،
بخلاف الجعْل . ثالثًا- قال الله عز
وجل :﴿
وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ ﴾(الشعراء:
184)
، فأمر سبحانه بتقوى الذي خلقنا ، وخلق الجبلة
الأوَّلين . والمفسرون يفسرونه بقولهم :« اتقوا الذي خلقكم وخلق الأمم قبلكم » ، ويقصدون بالأمم قبلنا بعد خلق آدم على اعتبار أنه أول مخلوق
على الأرض ، وليس الأمر كما يقولون ؛ لأن قوله تعالى :﴿
وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ ﴾ معطوف بالواو على ضمير
المخاطبين في قوله تعالى :﴿ خَلَقَكُمْ ﴾ ، والعطف يقتضي المغايرة.ومن هنا لا يصح أن
يكون المراد بالجبلة الأولين الأمم السابقة ؛ لأن تلك الأمم داخلة في هذا الخطاب
الإلهي :﴿
وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ من عهد آدم إلى يوم القيامة . ونظير ذلك قوله تعالى :﴿
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ
قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾(البقرة: 21) ؛ فهذا الخطاب يشمل جميع المكلفين من عهد آدم إلى يوم القيامة ، ولا يدخل فيه ﴿ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ ؛ لأن
هؤلاء الذين من قبلنا هم البشر الذين خلقوا من قبل آدم وذريته ، وهم مغايرون للناس
المخاطبين في الآية ، وهم الجبلة الأولون الذين تمَّت عليهم عملية الجبل في الطين
. والجبل من الطين تمَّ على المخلوق البشري قبل آدم بدهر ، لا على آدم الإنسان كما
زعمت التوراة . وقد قال
الله تعالى :﴿ هُوَ الَّذِي
خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ﴾(غافر: 67) ، فذكر الخَلْقيْن : الخلْق من تراب ، والخلْق من نطفة .
والأول هو الإخراج من رحم الأرض ، والثاني هو الإخراج من بطون الأمهات ، وبين
الخلقين زمن طويل دلت عليه أداة العطف ( ثم ) . والعرب الأوائل كانوا يعرفون أن البشر الأول مر
بأطوار قبل أن يصير إنسانًا ، فقوم ثمود الذين خاطبهم نبيهم بقوله :﴿
يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ
مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾(هود: 61) كانوا يعرفون حقيقة خلق الإنسان ؛ وذلك قبل وجود موسى عليه السلام
بأكثر من ألف سنة ، فضلاً عن التوراة التي نسجت بعد موسى بألف سنة أخرى ، بدليل أن
ثمودًا عليه السلام يتكلم عنها كمسلَّمة في الأذهان المعاصرة ، أو هو يذكِّرهم بها
، يبقى على القوم فقط عبادة الخالق الأحد . والقرآن
الكريم حين يقص هذه الحقيقة ، يقصها كما هي ، وكما قالها تراث الأوَّلين ، لا
اجتهاد فيها ولا تزييف ؛ فالتركيز هنا على قوله :﴿
هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾
ليس له إلا معنى واحد ، وهو خروج البشر أولاً من الأرض ؛
ولهذا كان المحاور المؤمن القديم يقول
لصاحبه الكافر ؛ كما حكى القرآن عنه :﴿ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي
خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ﴾(الكهف : 37) ، فالخلق من
التراب أولاً ، ثم الخلق من نطف الأرحام ثانيًا . نخلص
من ذلك كله إلى أن قوله تعالى :﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ
إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ * وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ
لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا
إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ
لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾(الروم: 20- 21) يعلن بصراحة أن خلق البشر من تراب ، ثم انتشاره فجأة في
الأرض قد تم أولاً ، ثم في مرحلة لاحقة تم خلق الأزواج من الأنفس ، والأول هو
الخلق البشري الذي نبت من الأرض كما ينبت النبات تمامًا ، والخلق الثاني هو الخلق
الإنساني من الصبغة الجينية نفسها ؛ ليتم التوافق الروحي والعقلي والاجتماعي
والأسري ، وكل منهما آية ربانيَّة من آيات الله المعجزة .. والله تعالى أعلم بما
خلق ! بقلم : محمد إسماعيل عتوك المراجـــــــع : القرآن الكريم . كتاب ( الخلق الأول ) |
![]() |
| العودة للقسم |







جديد المفالات