صفحة المقالات
روابط فرعية
رتب
دليل العرب الشمامل
تسجيل دخول
اسم المستخدم :

كلمة المرور :


فقدان كلمة المرور ؟

إشترك الآن
استمع إلى القرآن الكريم



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي خلق الإنسان ، وعلمه البيان ، وأنزل على عبده القرآن ،﴿ قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾( الزمر : 28 )  حمدًا يليق بجلاله وعظمته ، وصلى الله على معلم البشرية سيدنا محمَّد النبي الأمي ، أعرب الناس لسانًا ، وأفصحهم بيانًا ، وعلى آله الطيبين ، وصحبه الغر الميامين ، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين ... أما بعد :

فلا خلاف بين العلماء على أن القرآن الكريم هو كلام الله المعجز ، وأنه الآية العظمى التي أيَّد الله تعالى بها نبيَّه ، والمعجزة الكبرى التي تحدى بها الخلق أجمعهم ، وأثبت عجزهم عن الإتيان بمثلها إلى يوم القيامة ، فقال سبحانه وتعالى :

﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾( الإسراء : 88 ) .

فعمَّ بهذا الخبر المؤكد بالقسم ، جميع الخلق : إنسهم وجنهم ، معجزًا لهم ، قاطعًا بعجزهم عن الإتيان بمثل هذا القرآن العظيم الخارق للعادة ، والخارج عن المعهود من كلام البشر ، وأساليبهم .

وإعجاز القرآن في أسلوبه ومعانيه ، ونهجه وهديه حقيقة ثابتة ثبوت الجبال ، وقضية واضحة وضوح الشمس منذ أن نزل على النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ولهذا أقرَّ العرب- وهم أهل فصاحة وبيان- بصدقها وتساميها ، وعجزوا عن تحديها . ويكفى للدلالة على علو شأن هذا القرآن قول الله تعالى :﴿ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾( فصلت : 42 ) . وهو الذي لم تنته الجن ؛ إذ سمعته أن قالوا :﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ﴾( الجن :1 - 2 ) .

وكيف لا يكون كذلك ، وهو كلام الله الخالق ، الذي أبدع هذا الكون بعلمه وحكمته وقدرته‏ ، حتى إن الذين ادعوا أنه أوحي إليهم بمثل هذا القرآن ، أو بأحسن منه ، كان ما أتوا به من أقوى الأدلة على صدقه وإعجازه ، وعَجْزِ البشر عن معارضته ؛ لأنهم أتوا بأضاحيك يستحي العقلاء من سماعهما ، ويحكمون بسماجتها وقبحها ، وركاكتها وخستها . ويكفي ذلك العجز منهم دليلاً على صدقه ، وصدق النبي محمد صلى الله عليه وسلم .

ولهذا لم يكن هدفنا من افتتاح هذا الموقع رغبة منا في إثبات إعجاز القرآن بأي وجه من الوجوه ؛ وإنما غاية ما نهدف إليه من هذا العمل الجليل أولاً ، وقبل كل شيء هو التشرف والاستمتاع بالنظر في كتاب الله بعين الإجلال والإعظام والإيمان بقداسته ، ثم الإشادة بسموه وروعته وتفوقه حدود الإعجاز والإفحام ، من ناحية الفصاحة والبلاغة ، وما يحمل لها من أسرار . والتذكير بعلو مكانته بين الكتب السماوية ؛ وذلك في محاولة منا متواضعة للكشف عما انطوت عليه ألفاظ هذا القرآن وأساليبه من أسرار البيان الأعلى الذي سجد له من أُلْهِمَ البيان ، وثَقِفَه حِِسًّا مُرهفًا ، واجْتلى البلاغة في آياته ذوقًا أصيلاً ، وقد اعتمدنا فيه على منهج التدبُّر والتأمُّل والتفكُّر . ولسنا ندَّعي أننا قد بلغنا الغاية في ذلك ، وحققنا المراد؛ فـ من إعجاز القرآن أن يظل مطروحًا على الأجيال ، تتوارد عليه جيلاً بعد جيل ، ثم يظل أبدًا رَحْبَ المدى ، سخيَّ المورد ، كلما حسب جيل أنه بلغ منه مبلغًا ، امتدَّ الأفق بعيدًا وراء كل مطمح ، عاليًا يفوق طاقة الدارسين.

وحسبنا، وحسب القارئ أن نقف مع آيات هذا القرآن العظيم وقفة تدبر وتأمل وتفكر ، نحاول من خلالها قدر المستطاع أن نجتلي بعض أسرارها ، ونتذوق هذا السموَّ الرائع في البيان القرآني تذوقًا ، يجعلنا نقبل إليه قراءة وتدبرًا وفهمًا ، عملاً بقول الله عز وجل :

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾(محمد: 24)

ونسأل الله عز وجل أن يوفقنا لما يحب ويرضى ، وأن يجعل عملنا هذا خالصًا لوجهه الكريم ، وأن يقبله قبولاً حسنًا ، ويجعل منه سفرًا ، ينطق بالصدق ، ويدعو إلى ذكر الله ، والتذكير بجلاله وعظمته ، وأن يحيى به قلوب من يقرأه بوعي ، وينير به عقول المتعلمين المتقين ، الذين يتطلعون إلى استجلاء أسرار القرآن الكريم ؛ لكي يحققوا لأنفسهم مزيدًا من العلم والإيمان ، ومزيدًا من التمكُّن والعِرْفان ، ببعض ما جاء فيه من إعجاز بلاغي وبياني غايةً في الدقة والروعة والبيان . ولعل في مطالعة غير المسلمين لهذه الأسرار البيانية المعجزة ، وما صحبها- أحيانًا- من أسرار علمية ، أشرنا إليها إشاراتٍ خفيَّة تارة ، وظاهرة تارة أخرى ، ما يحملهم على الإيمان بالقرآن ، وأنه كتاب الإسلام حقًّا وصدقًا ، والله الهادي إلى سواء السبيل ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

والإعجاز- في اللعة- معناه : الفَوْتُ والسَّبَقُ ، وهو في الأصل مصدر : أعجز يعجز . يقال : أعجزني فلان . أي : فاتني ، وعجزت عن طلبه وإدراكه . والمعجز هو ما أعجز غيره ؛ كما قال تعالى :﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾( الشورى : 31 ) . أي : وما أنتم بفائتين ، وإن ركبتم في الهرب متن كل صعب وذلول . أو : وما أنتم بناجين هربًا ، فتعجزون طالبكم .

وأصل ذلك كله من العجز ، وهو الضعف ، وعدم القدرة على النهوض بالأمر . وكذلك القعود عمَّا يجب فعله . يقال : عَجَزَ عن الشيء يعجِز عجْزًا ، فهو عاجز . أي : ضعُف فهو ضعيف . ويقال :عجَز يعجِز عن الأمر . أي : قصَّر عنه . وقولهم : إن العجز نقيض الحزم ؛ لأنه يضعف رأيه . ويقولون : المرء يعجِز لا محالة . وعلى هذا ورد قوله تعالى :﴿ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ ﴾( المائدة : 31 ) . وفي الحديث:« اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل... » .

قال ابن حجر العسقلاني:« الفرق بين العجز والكسل : أن الكسل ترك الشيء مع القدرة على الأخذ في عمله ، والعجز عدم القدرة » . وقال في موضع آخر:« والعجز ضد الاقتدار والكسل ضد النشاط » .

ويتحصل من ذلك أن الإعجاز هو جعل من يقع عليه أمر التحدي بالشيء عاجزًا عن معارضته ، ونسبته إلى العجز ، وإثباته له . ولا يكون ذلك إلا إذا كان الأمر المتحدَّى به معجزًا في نفسه .

وعليه فإن الإعجاز بالنسبة للمعجِز- أي: المتحدَّى به- هو الفَوْتُ والسَّبَقُ . وبالنسبة للعاجز- الذي يقع عليه أمر التحدِّي- هو عدم القدرة على الطلب والإدراك .

فإذا كان هذا هو معنى الإعجاز ، فبإضافته إلى القرآن الكريم يكون المراد به : إثبات أن هذا القرآن معجز في نفسه من جهة ، وإثبات عجز الخلق عن الإتيان بما تحداهم به من جهة أخرى .

---------------------------------------

أسرة الموقع


جديد المفالات
أفضل المقالات
مواقع مشابهة
 
 
الكوثر للبرمجيات جميع الحقوق محفوظة لموقع أسرار الإعجاز البياني في القرآن الكريم