نشأةُ الأرحام والنشأة الأخرى | ||
|
قال الله تعالى :﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى ﴾(النجم: 45-47) ، فبيَّن سبحانه أن هنالك نشأتين : نشأة من الأرحام ، ونشأة أخرى . فما هذه النشأة الأخرى ؟ وما الفرق بينها ، وبين نشأة الأرحام ، وبين ﴿ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ﴾(العنكبوت: 20) ؟ وهل نشأة الأرحام هذه هي التي أخبر تعالى عنها بقوله :﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ ﴾(الواقعة: 60) ؟ أولاً- تتضمن هذه الآيات الكريمة الاستدلال بخلق الزوجين : الذكر والأنثى من النطفة على أمرين هما : قدرة الله عز وجل على البعث ، وأنه ما خلق الإنسان إلا ليكلفه ويجازيه . وما أوجزه تعالى في هذه الآيات أتى به مفصَّلاً في قوله تعالى :﴿ أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فسوى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى ﴾(القيامة: 36-40) ، فذكر سبحانه دلالة ذلك على البعث ، وذكر أنه ما خلق الإنسان ؛ ليهمله من التكليف والجزاء ، منكرًا على من ظن ذلك . وجعل الزمخشري من ذلك قوله تعالى :﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ﴾(الفرقان:54) ، فقال في تفسير هذه الآية الكريمة :« فقسم البشر قسمين : ذوي نسب . أي : ذكورًا ينسب إليهم .. وذوات صهر . أي : إناثًا يصاهر بهنَّ ؛ كقوله : فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾(القيامة: 40) ، ﴿ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ﴾ ، حيث خلق من النطفة الواحدة بشرًا نوعين : ذكرًا وأنثى » . وخلق الزوجين من :﴿ مِنْ نُطْفَةٍ ﴾ ، كما قال الرازي :« تنبيه على كمال القدرة ؛ لأن النطفة جسم متناسب الأجزاء ، ويخلق الله تعالى منه أعضاء مختلفة وطباعًا متباينة ، وخلق الذكر والأنثى منها أعجب ما يكون ؛ ولهذا لم يقدر أحد على أن يدعيه ، كما لم يقدر أحد على أن يدعي خلق السموات والأرض » . ثانيًا- والزوج في كلام العرب يطلق على ما كان مع آخر من جنسه ، فالذكر زوج ، والأنثى من جنسه زوج ، وهما زوجان ، قال تعالى :﴿ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ﴾(يس: 36) . فإن كان كل واحد منهما وحده ، فهو فرد وليس بزوج . وأكثر المفسرين على القول بأن المراد بـ( الزوجين ) في قوله تعالى :﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾(النجم:45) ، وقوله :﴿ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾(القيامة: 40) ، كل ما يتوالد من نوع الإنسان وغيره من أنواع الحيوانات ، عدا آدم وحواء ، وإلى ذلك أشار الشوكاني بقوله في تأوبل الآية :« المراد بالزوجين : الذكر والأنثى من كل حيوان ، ولا يدخل في ذلك آدم وحوّاء ، فإنهما لم يخلقا من النطفة » . والظاهر أن المراد بالزوجين ، كما قال ابن عاشور :« الذكر والأنثى من خصوص الإِنسان ؛ لأن سياق الكلام للاعتبار ببديع صنع الله ، وذلك أشد اتفاقًا في خلقة الإِنسان ؛ ولأن اعتبار الناس بما في أحوال أنفسهم أقرب وأمكن ؛ ولأن بعض الأزواج من الذكور والإِناث لا يتخلق من نطفة ، بل من بَيْض وغيره » . وإخراج آدم وحواء من الزوجين خلاف هذا الظاهر الذي نصت عليه الآية ، وتعليلهم لذلك بأن آدم وحواء لم يخلقا من النطفة تعليل لا دليل لهم عليه من القرآن والسنة ، وهو مبني في الأصل على ما وردنا من التوراة السبعينية المزورة من أن آدم خلق تمثالاً أجوف من طين ، وأن حواء خلقت من ضلعه الأعوج ، وقد بينت في مقال ( معجزات باهرات ) ، ومقال ( هل خلق آدم تمثالاً أجوف وخلقت حواء من ضلعه ؟ ) أن كون آدم خلق من تراب لا يعني أنه تمثال جامد ؛ وإنما يعني أن آدم كائن حيٌّ قبل تسويته ونفخ الروح فيه ، ومثله حواء فأغنى ذلك عن إعادته . وقال تعالى :﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ ﴾ ، كما قال :﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى ﴾(النجم: 45) ، ولم يقل :( وَأَنَّهُ هو خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ ) ، ( وَأَنَّهُ هو أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى ) ، وإدخال ( هو ) في مثل هذا التركيب أحسن ؛ لأنه محل تأكيد ، ورفع توهم من يتشكك في المسند إليه الخبر ، أو ينازع فيه ، أو من يتوهم التشريك فيه ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى* وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ﴾(النجم: 43- 44) ، ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى ﴾(النجم: 48) ، كيف أثبت الفصل ( هو ) دلالة على ما ذكر ، ولم يأت به في نسبة خلق الزوجين ، وإهلاك عاد ؛ إذ لا يتوهم إسناد ذلك لغير الله تعالى ، ولا الشركة فيه . وأما الإضحاك والإبكاء والإماتة والإحياء والإغناء والإقناء فقد يدعي ذلك أو الشركة فيه متواقحٌ كذاب كنمروذ ؛ إذ قال في محاجة إبراهيم عليه السلام :﴿ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ﴾(البقرة: 258) . وأما قوله تعالى :﴿ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى ﴾(النجم: 49) فدخول ( هو ) للإعلام بأن الله هو رب هذا النجم ، وإن كان رب كل شيء ؛ لأن هذا النجم عُبِد من دون الله واتُّخذ إلهًا ، فأتى به ؛ ليُنبِّه بأن الله مستبد بكونه ربًّا لهذا المعبود ، ومن دونه لا يشاركه في ذلك أحد . وقوله تعالى :﴿ مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾ . أي : إذا تصب ، أو تقذف ، وهو مضارع ( أمنى ) ، يقال : أمنى الرجل يمني ؛ كقوله تعالى :﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُوْنَ ﴾ . أي : ما تقذفونه في الأرحام وتصبونه فيها من النطف . و( مِن ) ابتدائية من صلة ( خلق ) . أي : خلق الزوجين : الذكر والأنثى ، من نطفة ، إذا أمناها الرجل والمرأة ؛ فإن خَلْقَ الإِنسان ناشىءٌ من هذه النطفة ، فإذا تكونت وأُمنيت ابتدأ خلقه . والنطفة هي ( خلية حيَّة ) ، تنقسم إلى خلايا ذكرية ، وأنثويَّة ، وهذه الخلايا هي الأولى المعبَّر عنها علميًّا بـ( الخلايا الجذعية ) كاملة القدرة ، أو القوة ، أو هي النسخة الأولى من الـ( دي ، إن ، إيه ) الذي يحتوي على كروموسومات الكائن الوراثية حية وسليمة ، وهذه الكروموسومات هي التي تمثل كتاب الحياة ، والمكتبة الرقمية التي تحتوي على كل أسرار وخصائص هذا الكائن ، ومنها تم تصنيع الإنسان ، ومنها سيعاد تصنيعه يوم البعث . وتطلق النطفة في كلام العرب على القطرة من الماء ، وهي ( فُعْلة ) مشتقة من نطَف الماء : إذا قطر . وفي الحديث :« جاء ورأسه ينطف ماء » . أي : يقطر . ويقال : ما في القربة من الماء نطفة . أي : ليس فيها قليل ولا كثير ؛ ولهذا يُعبَّر عنها بصيغة النكرة ، وتجمع على : نُطَف ونطاف . وسُمِّيَ القليل من مَنيِّ الرجل نطفة ؛ لأنه ينطف . أي : يقطر قطرة ، بعد قطرة . وقيل : سُمِّيَ ماءُ الإنسان مَنِيًّا ؛ إما لإمنائه . أي : قذفه أو صبِّه في رحم المرأة . وإما لتقديره ، وهو من المَنُّ الذي يوزن به ؛ لأنه مقدار لذلك ، فكذلك المنيُّ مقدار صحيح لتصوير الخِلْقة . وتطلق النطفة أيضًا ، ويراد بها ( بويضة المرأة ) ، وهي عبارة عن خلايا جنسية ينتجها جسم الأنثى البالع ، وتحتوي على صبغي جنسي أنثوي ، وما ينتجه جسم الذكر البالغ من هذه الخلايا الجنسية يعرف ياسم ( الحيوانات المنوية ) ، ويحتوي كل حيوان منوية على صبغي جنسي ذكوري ( Y ) ، وآخر أنثوي ( X ) . هذا ما أشار إليه الدكتور زغلول النجار ، ثم قال :« فإذا كان الحيوان المنوي الذي أخصب البييضة مما يحمل صبغي التذكير جاء المولود ذكرًا بإذن الله , وإذا كان مما يحمل صبغي التأنيث جاء المولود أنثى بإذن الله ، فالزوجية موجودة في نطف الذكر , وليست بين نطفة الذكر ونطفة الأنثى فقط » . وجاء في كتاب ( الخلق الأول ) :« هذه الآية تبين بوضوح أن تحديد الذكورة والأنوثة لا يكون في بويضة الأنثى ؛ لأنها تعطي نصف مجموعة الكروموزومات ( الصبغيات ) (دانييل كيفلس وليروي هود– الشفرة الوراثية للإنسان ص:56) ، كما لا يكون في حويمنات الذكر ؛ لأنه يعطي النصف أيضًا ؛ وإنما تحديد ذلك يكون في مني الرجل حين يلقح بويضة المرأة ؛ فإن سبق حويمن ( حيوان منوي ) يمتلك صبغيَّة الذكور كان المولود ذكرًا ، وإن سبق حويمن آخر يمتلك صبعيَّة الأنوثة كان المولود أنثى ، وهذا تمامًا هو دلالة العبارة :﴿ مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾ ، ففي هذا الظرف ( إذا ) يتجدد جنس الذكورة أو الأنوثة لا قبله . فظرف ( إذا ) هو ظرف سباق الحويمنات من الرجل نفسه لا قبله ولا بعده ، ظرف أولى ساعات المعاشرة . وهذا ما يُحتمل ( في قراءة ثانية ) أن نفهمه من قول النبي صلى الله عليه وسلم :« فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد ، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد » (أحمد بن حنبل ، المسند ، جزء:3 /189) . ( وفي صحيح ابن حبان ، ودلائل النبوة للبيهقي :« فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه ، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إلى أمه » ) . ماء الرجل وماء المرأة كلاهما من حويمنات الرجل ( ماء الرجل . أي : الحويمن الحامل الصبغة الذكورية ، وماء المرأة . أي : الحويمن الآخر الحامل الصبغة الأنوثية ) ، مع تسليمنا بالقراءة الأخرى القائلة بأن ماء ( إفرازات ) المرأة حمضي ، وماء الرجل قلوي ، ولوحظ أن غلبة الوسط الحمضي ( أي : غلبة ماء المرأة وعلوَّ تركزه ) ينشط الحويمنات ذات الصبغة الأنوثية ؛ لتلقيح البوَيْضة ، والعكس في الآخر . وهذا من معجزات النبوَّة التي لم يكتشفها إلا نوادر كبار علماء الطب في أيامنا هذه . فالقراءتان تُلمحان إلى السببين العلميين في تذكير ، أو تأنيث الجنين . وفي حديثٍ آخر :« ماء الرجل أبيض ، وماء المرأة أصفر . فإذا اجتمعا ، فعلا منيُّ الرجل منيَّ المرأة أذْكَرا بإذن الله ، وإذا علا منيُّ المرأة منيَّ الرجل آنَثَا بإذن الله » ( ابن حزم ، المحلى ، ج : 6 ، ص : 187) . والحديث موجود في ( صحيح مسلم ، والسنن الكبرى للبيهقي ، وغيرهما ) . ولنا أن نجعل ( نطفة ) هي بويضة المرأة بالخصوص ، و( إذا تمنى ) . أي : حين يلقحها مني الرجل ؛ لتظل متوالية خلق الذكر والأنثى من ذكر وأنثى ، وهكذا . وهذا يوافق جواب نبي الأمة صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن مسعود الذي رواه الإمام أحمد في مسنده جوابًا لليهودي الذي سأله : يا محمد ! ممَّ يخلق الإنسان ؟ قال :« يا يهودي ! من كل يخلق ، من نطفة الرجل ، ومن نطفة المرأة » ( أحمد بن حنبل ، المسند ، ج : 1 ، ص : 465 ، والنسائي ، السنن الكبرى ، ج : 5 ، ص : 340 ) » ( عن كتاب الخلق الأول ) . وتمام الحديث كما جاء في مسند أحمد :« قال يا يهودي من كل يخلق ، من نطفة الرجل ، ومن نطفة المرأة . فأما نطفة الرجل فنطفة غليظة ، فمنها العظم والعصب . وأما نطفة المرأة فنطفة رقيقة ، فمنها اللحم والدم . فقام اليهودي فقال : هكذا كان يقول من قبلك » . ثانيًا- وقال تعالى :﴿ وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى ﴾(النجم: 47) ، فبين سبحانه على سبيل التأكيد والحصر أن هذه النشأة التي وصفها بالأخرى عليه وحده ، لا على غيره ؛ وكأنه أوجب على نفسه هذه النشأة ؛ لأن المشركين كذبوا بها وأنكروها . و( النشأة ) هي المرة من الإِنشاء . أي : الإِيجاد والخلق ، وهي في قول أكثر المفسرين إشارة إلى البعث والحشر ، وفسرها ابن كثير بـ( النشأة الآخرة ) ، فقال في تأويل الآية :« وقوله :﴿ وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى ﴾ . أي : كما خلق البداءة هو قادر على الإعادة ، وهي النشأة الآخرة يوم القيامة » . أما الرازي فقد ذهب بعيدًا حين ظن أن المراد بهذه النشأة الأخرى نفخ الروح الإنسانية في الإنسان ، فقال في ذلك ما نصُّه :« والذي ظهر لي بعد طول التفكر والسؤال من فضل الله تعالى الهداية فيه إلى الحق ، أنه يحتمل أن يكون المراد نفخ الروح الإنسانية فيه » . وأما ابن عاشور فقد ذهب إلى أن ( الأخرى ) مؤنث ( الأخير ) ، وأن ( النشأة الأخرى ) هي النشأة التي لا نشأة بعدها ، وهي مقابل ( النشأة الأولى ) التي يتضمنها قوله تعالى :﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾(النجم: 45) ، وذكر أن هذه المقابلة هي مناسبة ذكر هذه النشأة الأخرى . وعلى هذا القول جمهور المفسرين : ( نشأة من الأرحام ) ، يقابلها ( نشأة أخرى من التراب ) يوم القيامة ، فهما نشأتان في الكيف ، وفي الكم . ويفسرون نشأة الأرحام بالنشأة الأولى في قوله تعالى :﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى ﴾(الواقعة: 60) ، ويفسرون النشأة الأخرى بالنشأة الآخرة في قوله تعالى :﴿ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ﴾(العنكبوت: 20) ، مع أن ( نشأة الأرحام ) هي نشأة معتادة يراها الجميع ، و( النشأة الأولى ) هي نشأة من تراب ، وهي وإن كانت غير مشاهدة ، فإنها معلومة ؛ ولهذا قال تعالى فيها :﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ ﴾(الواقعة: 60) ، وقال سبحانه في نشأة الأرحام :﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ ﴾(يس: 77) ؟ فأتى بفعل ( الرؤية ) مع نشأة الأرحام ، وأنكر على الإنسان عدم رؤيته لها ، وأتى بفعل ( العلم ) مع النشأة الأولى مسبوقًا بـ( قد ) التي تفيد التحقيق ، موصولة بلام التوكيد ، تأكيدًا على علمهم بها ، وتقريرًا لإمكان ( النشأة الآخرة ) ؛ ولهذا عقَّب سبحانه على ذلك بقوله :﴿ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ ، فدل بذلك على أنهم كانوا على علم بها ، وكل الذي عليهم هو أن يستحضروها . ولو كان المراد بهذه ( النشأة الأولى ) تلك التي تتخلَّق ممَّا يُمْنونَ في الأرحام ، لكان ينبغي أن يكون نظم الآية هكذا :( فلقد علمتم النشأة الأولى ) بالفاء ؛ ليكون عطفًا وتفريعًا على المعلوم السابق . أي : التخلُّق من المَنِيِّ ، ولأتي أيضًا بفعل الرؤية ( رأيتم ) الذي يدل على المشاهدة ، بدلاً من فعل العلم ﴿ عَلِمْتُمُ ﴾ المفيد لعلم سابق خارج سياق الكلام ؛ أما وإنه سبحانه قد قال وقوله الحق :﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ﴾ ، بواو الاستئناف ، وبفعل العلم ، فإنه قد أحال على نشأة أخرى خارج الآية ، معلومة في العقليَّة التراثيَّة وبالإمكان تذكُّرها ، وإن كانت ليست مشاهدة لديهم ؛ كنشأة المَنِيِّ في الأرحام . فثبت بذلك أن ( نشأة الأرحام ) غير ( النشأة الأولى ) من التراب ، وقد ميَّز الله تعالى بينهما ، فقال في نشأة الأرحام :﴿ وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾(النحل: 78) ، وقال في النشأة الأولى من التراب :﴿ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾(هود: 61) ، فهذه نشأة من الأرض ، وتلك نشأة من بطون الأمهات ، وقد جمعا معًا في قوله تعالى :﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾(النجم: 32) ، فـ( إذ ) الأولى تبين بوضوح إنشاء البشر من الأرض قبل الإنشاء من الأرحام ، و ( إذ ) الثانية تبين تولد الجنس البشري في الأرحام . ومن الآيات التي جمعت بين النشأة من التراب ، والنشأة من الأرحام قوله تعالى :﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ .. ﴾(الحج: 5) ، وقوله تعالى :﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ﴾(فاطر: 11) ، وقوله تعالى :﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ﴾(غافر: 67) ، وقول مؤمن ياسين لصاحبه الكافر :﴿ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ﴾(الكهف: 37) . والعجب بعد هذا البيان والتوضيح كله نجد المفسرين يجمعون على القول بأن المراد من قوله تعالى :﴿ خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ﴾ : خلقنا أصلكم آدم ، وأن المراد من قوله :﴿ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ﴾ : خلقنا أولاد آدم ، ولم يرد آدم ؛ لأن آدم لم يخلق من نطفة . يقولون ذلك مع أن الخطاب في الجملتين المفصول بينهما بـ( ثم ) التي تدل على الترتيب والمهلة واحد :﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ . ولست أدري إن كان أبونا آدم من الناس عندهم ، أم من غير الناس ؟ وليت شعري كيف يصح أن يكون المراد من خلقناكم ﴿ مِنْ تُرَابٍ ﴾ : آدم أصل الإنسان ، وأن يكون المراد من خلقناكم ﴿ مِنْ نُطْفَةٍ ﴾ أولاد آدم ، والخطاب للناس كلهم بمن فيهم آدم ، والجملة الثانية معطوفة بـ( ثم ) على الجملة الأولى ؟ فما دليلهم على هذا التأويل اللامنطقي واللامعقول ، والمخالف لمعنى الآيات ونظمها الدقيق المحكم ؟ يحدثنا الشيخ محمد أمين الشنقيطي في أضواء البيان عن هذا الدليل ، فيقول :« والتحقيق أن معنى خَلْقِه الناس من تراب : أنه خلق أباهم آدم منه ؛ كما قال تعالى :﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ﴾(آل عمران: 59) الآية ، ولما خلق أباهم من تراب وكانوا تبعًا له في الخلق صدق عليهم أنهم خُلقوا من تراب » . ويقول أيضًا :« وقد بينا في قوله تعالى :﴿ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ﴾ وقوله :﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ ﴾ أن المراد بخلقهم منها هو خلق أبيهم آدم منها ؛ لأنه أصلهم ، وهم فروعه » . فإذا كان الأمر كما يقول ويقولون ، فلم لم يقولوا مثله في قوله تعالى :﴿ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ﴾ المعطوف بـ( ثم ) على قوله تعالى :﴿ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ﴾ ؟ ثم من قال : إن آدم وحده هو المخلوق من تراب ؟ وما دليلهم على أن آدم أول مخلوق وجد من تراب ، وأنه كان تمثالاً طينيًّا أجوف ؟ ألم يقرؤوا قول الله تعالى :﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ﴾(الروم: 20) ؟ هذه الآية الربانية من آيات الله المعجزة تخبرنا بصراحة وبلسان عربي مبين أن البشر خرجوا من الأرض الميتة في الحقبة الأولى كبارًا بالغين ؛ كما يخرج النبات تمامًا ، ثم فجأة إذا هم رجال ونساء منبثون في الأرض ومنتشرون ، يدبون فيها هنا وهناك ، وهي الصورة نفسها والخروج والانتشار نفسه الذي سيعاد في البعث يوم الإعادة ، يوم ﴿ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ ﴾(القمر: 7) كبارًا بالغين ، وهذا ما ورد في الحديث النبوي الشريف الذي أخرجه صاحب المستدرك على الصحيحين ، عن عبد الله بن أنيس ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول :« يَوْمَ يُحْشَرُ العِبَادُ- أَوْ قَالَ : النَّاسُ- حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا ، لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ .. » الحديث ، ففي البداية خروج وانتشار ، وفي النهاية خروج وانتشار بالكيفية نفسها ؛ كما قال تعالى :﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾(الأنبياء: 104) ، ﴿ وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾(الكهف: 48) ، وهذا ما أفادته لفظة ( مَا ) الموصولة بكاف التشبيه ، مع لفظة ( مَرَّةٍ ) التي تدل على حدوث الفعل مرتين بكيفية واحدة ، مرة في ابتداء الخلق الأول ، ومرة في إعادته يوم البعث ، ﴿ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾(الإسراء: 51) ، ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾(يس: 78-79) ، فالفطر والإنشاء أول مرة هو ( النشأة الأولى ) ، والإعادة يوم البعث هي ( النشأة الآخرة ) . وهاتان النشأتان : ( الأولى ، والآخرة ) هما المعبَّر عنهما بـ( النشأة الأخرى ) التي تفيد البدليَّة والمغايرة لـ( نشأة الأرحام ) ، وهذه النشأة هي علينا - نحن البشر – تفعيلها أو تعطيلها . أما ( النشأة الأخرى ) فهي مخصوصة للرب عز وجل ، ومحتكرة عليه بكيفية فردية غير تكاثرية ، لا دور لنا فيها ﴿ وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى ﴾(النجم: 47) . أي : عليه هو وحده سبحانه ، لا علينا نحن ، وهذا ما يفيده تقديم ( عليه ) الذي يدل على معنى الاختصاص . فهناك نشأة علينا نحن البشر هي ( نشأة الأرحام ) ، وهناك نشأة على الله عز وجل هي ( النشأة الأخرى ) المغايرة للمعهود الذي نراه ، وهذه النشأة الأخرى تحصل مرتين : الأولى : في بدء الخلق البشري ، وهذه هي ( النشأة الأولى ) . والثانية في إعادة الخلق يوم البعث ، وهذه هي ( النشأة الآخرة ) ، وهما نشأتان بالكيفية نفسها ، ومغايرتان لـ( النشأة المعتادة من الأرحام ) ، والنشأتان لم نرهما ، ولا دور لنا فيهما ؛ فهما مخصوصتان لله تعالى ﴿ فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى ﴾(النجم: 25) . فثبت أن هنالك : 1- نشأة أولى من التراب . 2- نشأة معتادة من الأرحام . 3- نشأة آخرة من التراب . ويجمع النشأة الأولى والآخرة ( النشأة الأخرى ) المغايرة لـ( نشأة الأرحام ) . والأخرى مؤنث ( الآخَر ) بفتح الخاء ، لا مؤنث ( الأخير ) كما قال ابن عاشور ، ولا مؤنث ( الآخِر ) بكسر الخاء كما قال غيره ، فهذا مؤنث ( الآخرة ) ، وما بين ( الآخِر ، والآخَر ) بون بعيد ؛ إذ أحدهما موافق للأول ، والثاني مغاير له ، يبين لك ذلك أنك تقول :( هو الله الأول والآخِر ) بكسر الخاء ، ولا تقول :( هو الأول والآخرَ ) بفتح الخاء ؛ لأنك لو قلت ذلك ، لأشركت مع الله إلهًا ثانيًا ، له كيفية مغايرة عنه ، سبحانه وتعالى عما يصفون ، له الحمد على ما تفضل به علينا من نعمة الفهم والعلم والدين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، وآله وصحبه الغر الميامين ، وسلم تسليمًا كثيرًا . بقلم : محمد إسماعيل عتوك | ||
| ||
|
|





















