سر رفع السموات بغير عمد ترونها
 

الصفحة الرئيسة

من نحن

جديدنا

مساهمات الأصدقاء

انشر بحثك

اتصل بنا

 
تم بعونه تعالى افتتاح موقع أسرار  الإعجاز  البياني للقرآن الكريم بإشراف الباحث اللغوي محمد إسماعيل عتوك - ساهموا معنا في نطوير الموقع ونشره بارك لله فيكم
 

سر رفع السموات بغير عمد ترونها

قال الله عز وجل :﴿ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (يوسف:105) . ومن أعظم هذه الآيات التي تدل على عظمة الله وجلاله وأن ما أنزله من الوحي هو الحق ، رفع السموات بعَمَد غير مرئية ؛ وذلك قوله تعالى :﴿ اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾(الرعد:2) .

والعَمَد هي الدعائم ؛ وهو اسم جمع عند الأكثرين ، ويدل على الكثرة . والمفرد : عِماد . أو : عَمود . وقرأ أبو حيوة ويحيى بن وثاب :( عُمُدٍ ) ، بضمتين ، جمع : عِماد ؛ كشهاب وشهب . أو : جمع : عَمود ، كرسول ورسل . ويجمعان في القلة على : أعمدة .. واختلف المفسرون في تأويل قوله تعالى :﴿ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ على قولين :

أحدهما : أنها مرفوعة بغير عمد مرئية . قاله قتادة ، ومجاهد ، وإياس بن معاوية ، وغيرهم . قالوا : وذلك دليل على وجود الصانع الحكيم ، تعالى شأنه .

والثاني : أنها مرفوعة بعمد ؛ ولكنها لا تُرَى . قال ابن عباس رضي الله عنهما :« يقول : ترونها بغير عمد . ويقال : بعمد لا ترونها » .

وجمهور المفسرين على أن السموات لا عمد لها ألبتة . ولو كان لها عمد ، لاحتاجت تلك العمد إلى عمد ، ويتسلسل الأمر . قالوا : فالظاهر أنها ممسكة بالقدرة الإلهية ، بدليل قوله تعالى :﴿ وََيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ (الحج:65) ، ونحو هذا من الآيات .

وقد انبنى على هذا الخلاف بينهم خلاف آخر في موضع جملة ( تَرَوْنَهَا ) من الإعراب ، فذكروا فيها ثلاثة أقوال :

الأول : أنها استئنافية ، جيء بها للاستشهاد على كون السموات مرفوعة بغير عمد ؛ كأنه قيل : ما الدليل على ذلك ؟ فقيل : رؤيتكم لها بغير عمد . قالوا : فهو كقولك : أنا بلا سيف ، ولا رمح تراني . فالضمير في قوله تعالى :﴿ تَرَوْنَهَا ﴾ للعمد .

والثاني : أنها حالية من السموات . أي : رفعها مرئيَّةً لكم بغير عمد . فالضمير في قوله تعالى : ﴿ تَرَوْنَهَا ﴾  للسموات .

والثالث : أنها صفة للعمد . أي : بغير عمد مرئية . فالضمير للعمد ، واستدل لذلك بقراءة أبي بن كعب :﴿ تَرَوْنَهُ ﴾ ، بعوْد الضمير مذكرًا على لفظ : عمد .  

فعلى تقدير الاستئنافية والحالية تكون السموات مرفوعة بغير عمد . وأما على تقدير الوصفية فيحتمل توجُّه النفي إلى الصفة والموصوف ، فيكون حكم السموات كحكمها في التقدير الأول والثاني ؛ لأنها لو كان لها عمد ، لكانت مرئية . ويحتمل توجه النفي إلى الصفة دون الموصوف ، فيفيد أن للسموات عَمَدًا ؛ ولكنها غير مرئية ، وهذا القول هو الصواب ، وبيانه :

أولاً- أن نفي الذات الموصوفة بأداة من أدوات النفي قد يكون نفيًا للصفة دون الذات ، وقد يكون نفيًا للذات والصفة معًا ، فمن الأول قوله تعالى :﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ﴾ (الأنبياء:8) . أي : بل هم جسد يأكلونه . فالنفي هنا هو للصفة دون الذات . ومن الثاني قوله تعالى :﴿ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً ﴾ (البقرة:273) . أي : لا سؤال لهم أصلاً ، فلا يحصل منهم إلحاف ؛ وهو نفي للذات والصفة معًا . ويسمَّى هذا النوع عند أهل البديع :« نَفْيُ الشيء بإيجابه » ، وعبارة ابن رشيق في تفسيره :« أن يكون الكلام ظاهره إيجاب الشيء ، وباطنه نفيه ، بأن ينفَى ما هو من سببه ، كوصفه ، وهو المنفي في الباطن » . وقال غيره :« أن ينفى الشيءُ مقيدًا ، والمراد نفيه مطلقًا ، مبالغة في النفي وتأكيدًا له » .

 ثانيًا- لفظ ( غَيْر ) موضوع- في الأصل- للمغايرة ، وهو مستلزم للنفي ، ومعناه عند الجمهور كمعنى ( لَا ) النافية ؛ إلا أن بينهما فرقًا من وجهين :

أحدهما : أن ( غَيْر ) اسم ، و( لَا ) أداة  .

والثاني : أن ( غَيْر ) معناها : المغايرة بين الشيئين ، و( لَا ) معناها : النفي المجرد .

ويتضح لك هذا الفرق بينهما أنك إذا قلت :« أخذت فلانًا بذنبٍ » ، فقولك : ( ذنب ) هو الذي أخذته به ، وإذا قلت :« أخذته بلا ذنب » ، فقولك : ( لا ذنب ) هو الذي أخذته به ، وهو بمنزلة ( ذنب ) في الإثبات .

فإذا قلت :« أخذته بغير ذنب » ، فـ( غَيْر ) هو الذي أخذته به ، و( ذَنْب ) لم تأخذه به ؛ لأن لفظ ( غَيْر ) مسلوب منه ما أضيف إليه ، وما أضيف إليه هنا هو ( ذَنْبٌ ) ، فهو المسلوب منه .

ومثل ذلك قوله تعالى :﴿ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾(آل عمران:112) ، فـ( غَيْر ) هو الذي قتلوا به . وأما ( حَق ) فلم يقتلوا به ؛ وإنما أضيف لفظ ( غَيْر ) إليه ؛ لأنه اسم مبهم ، لا يفهم معناه إلا بالإضافة . ولما كان مدلول ( غَيْر ) المغايرة ، كان معنى ( بِغَيْرِ حَقٍّ ) : بباطل .

ثالثًا- النفي بـ( غَيْرٍ ) يرد في اللغة على أوجه ؛ منها :

أن يكون متناولاً للذات ، إذا كان غير موصوف ، كقوله تعالى :﴿ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾(آل عمران:112) ، وقوله :﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ (الحج:40) . فإذا كانت الذات موصوفة ، كان النفي بـ( غَيْر ) واقعًا على الصفة دون الذات ، كما في قوله تعالى :﴿ رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا (الرعد:2) ؛ فالمنفي بـ( غَيْر ) هنا هو الرؤية ، لا العمد . وعليه تكون السموات مرفوعة بعمد لا تُرَى .. فتأمل ذلك ، فإنه من الأسرار الدقيقة في البيان القرآني المعجز !!!

رابعًا- العمد غير المرئية في العلوم الكونية :


تشير الدراسات الكونية إلى وجود قوى مستترة ‏,‏ في اللبنات الأولية للمادة ، وفي كل من الذرات والجزيئات ، وفي كافة أجرام السماء ‏,‏ تحكم بناء الكون ، وتمسك بأطرافه إلى أن يشاء الله تعالى ، فيدمره ، ويعيد خلق غيره من جديد ‏.‏

ومن القوى التي تعرف عليها العلماء في كل من الأرض والسماء أربع صور ‏,‏ يعتقد بأنها أوجه متعددة لقوة عظمى واحدة ، تسري في مختلف جنبات الكون ؛ لتربطه برباط وثيق ، وإلا لانفرط عقده ، وهذه القوى هي ‏:‏

1- القوة النووية الشديدة . 2- القوة النووية الضعيفة . 3- القوة الكهربائية المغناطيسية ‏(‏ الكهرومغناطيسية‏ ) . 4- قوة الجاذبية .  ‏‏

هذه القوى الأربع هي الدعائم الخفية التي يقوم عليها بناء السموات والأرض‏ ,‏ وقد أدركها العلماء من خلال آثارها الظاهرة والخفية في كل أشياء الكون المدركة . وتعتبر قوة الجاذبية على المدى القصير أضعف القوى المعروفة لنا‏ ,‏ وتساوي : (‏10‏- 39 )‏ من القوة النووية الشديدة‏ ؛ ولكن على المدى الطويل تصبح القوة العظمى في الكون ‏,‏ نظرًا لطبيعتها التراكمية ، فتمسك بكافة أجرام السماء‏‏ وبمختلف تجمعاتها ‏.‏ ولولا هذا الرباط الحاكم الذي أودعه الله‏‏ تعالى في الأرض وفي أجرام السماء ، ما كانت الأرض ، ولا كانت السماء . ولو زال هذا الرباط ، لانفرط عقد الكون وانهارت مكوناته .   

ولا يزال أهل العلم يبحثون عن موجات الجاذبية المنتشرة في أرجاء الكون كله ‏,‏ منطلقة بسرعة الضوء دون أن ترى ‏.‏ ويفترض وجود هذه القوة على هيئة جسيمات خاصة في داخل الذرة لم تكتشف بعد ، يطلق عليها اسم الجسيم الجاذب ، أو ‏(‏ الجرافيتون ‏( Graviton  .

منذ العقدين الأولين من القرن العشرين تنادى العلماء بوجود موجات للجاذبية من الإشعاع التجاذبي ، تسري في كافة أجزاء الكون ؛ وذلك على أساس أنه بتحرك جسيمات مشحونة بالكهرباء ، مثل الإليكترونات والبروتونات الموجودة في ذرات العناصر والمركبات ، فإن هذه الجسيمات تكون مصحوبة في حركتها بإشعاعات من الموجات الكهرومغناطيسية .

وقياسًا على ذلك فإن الجسيمات غير المشحونة ‏(‏ مثل النيوترونات‏ )‏ تكون مصحوبة في حركتها بموجات الجاذبية ‏,‏ ويعكف علماء الفيزياء اليوم على محاولة قياس تلك الأمواج ‏,‏ والبحث عن حاملها من جسيمات أولية في بناء المادة ، يحتمل وجوده في داخل ذرات العناصر والمركبات ‏,‏ واقترحوا له اسم : الجاذب . أو : الجرافيتون . وتوقعوا أنه يتحرك بسرعة الضوء‏ ,‏ وانطلاقا من ذلك تصوروا أن موجات الجاذبية تسبح في الكون ؛  لتربط كافة أجزائه برباط وثيق من نواة الذرة إلى المجرة العظمى وتجمعاتها إلى كل الكون ‏,‏ وأن هذه الموجات التجاذبية هي من السنن الأولى التي أودعها الله تعالى مادة الكون وكل المكان والزمان‏!!‏

وهنا تجب التفرقة بين قوة الجاذبية  ( TheGravitationalForce )‏، وموجات الجاذبية  TheGravitationalWaves )  ( ، فبينما الأولى تمثل قوة الجذب للمادة الداخلة في تركيب جسم ما ، حين تتبادل الجذب مع جسم آخر ‏,‏ فإن الثانية هي أثر لقوة الجاذبية‏ .‏ وقد أشارت نظرية النسبية العامة إلى موجات الجاذبية الكونية على أنها رابط بين المكان والزمان على هيئة موجات ، تؤثر في حقول الجاذبية في الكون ، كما تؤثر على الأجرام السماوية التي تقابلها . وقد بذلت محاولات كثيرة لاستكشاف موجات الجاذبية القادمة إلينا من خارج مجموعتنا الشمسية ؛ ولكنها لم تكلل بعد بالنجاح ‏.

والجاذبية وموجاتها التي قامت بها السماوات والأرض منذ بدء خلقهما‏ ,‏ ستكون سببًا في هدم هذا البناء عندما يأذن الله‏‏ تعالى‏ بتوقف عملية توسع الكون ، فتبدأ الجاذبية وموجاتها في العمل علي انكماش الكون ، وإعادة جمع كافة مكوناته على هيئة جرم واحد، شبيه بالجرم الابتدائي الذي بدأ به خلق الكون . وسبحان القائل ‏:‏﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ (الأنبياء‏:104) .‏

خامسًا- نظرية الخيوط العظمى وتماسك الكون :   

في محاولة لجمع القوى الأربع المعروفة في الكون ‏(‏ القوة النووية الشديدة والقوى النووية الضعيفة ‏,‏ والقوة الكهرومغناطيسية ‏,‏ وقوة الجاذبية ‏)‏ في صورة واحدة للقوة اقترح علماء الفيزياء ما يعرف باسم نظرية الخيوط العظمى ‏ (TheTheoryOfSuperstrings)‏، والتي تفترض أن الوحدات البانية للبنات الأولية للمادة من مثل : ( الكواركات ، والفوتونات‏ ,‏ والإليكترونات ، وغيرها ) ، ‏تتكون من خيوط طولية في حدود (‏10‏- 35‏ ) من المتر ‏تلتف حول ذواتها ، على هيئة الزنبرك المتناهي في ضآلة الحجم ‏,‏ فتبدو كما لو كانت نقاطًا ، أو جسيمات‏ ,‏ وهي ليست كذلك‏ .‏

وتفيد النظرية في التغلب على الصعوبات التي تواجهها الدراسات النظرية في التعامل مع مثل تلك الأبعاد شديدة التضاؤل ، حيث تتضح الحاجة إلى فيزياء كمية غير موجودة حاليًا ‏,‏ ويمكن تمثيل حركة الجسيمات في هذه الحالة بموجات تتحرك بطول الخيط .‏ كذلك يمكن تمثيل انشطار تلك الجسيمات واندماجها مع بعضها البعض بانقسام تلك الخيوط والتحامها ‏.‏

وتقترح النظرية وجود مادة خفية  (ShadowMatter)‏يمكنها أن تتعامل مع المادة العادية عبر الجاذبية ؛ لتجعل من كل شيء في الكون ‏(‏ من نواة الذرة إلى المجرة العظمى ، وتجمعاتها المختلفة إلي كل السماء ‏)‏ بناء شديد الإحكام ‏,‏ قويّ الترابط‏  .‏ وقد تكون هذه المادة الخفية هي ما يسمَّى باسم المادة الداكنة  (DarkMatter)، والتي يمكن أن تعوض الكتل الناقصة في حسابات الجزء المدرك من الكون ‏,‏ وقد تكون من القوى الرابطة له ‏.‏

وتفسر النظرية جميع العلاقات المعروفة بين اللبنات الأولية للمادة ‏,‏ وبين كافة القوى المعروفة في الجزء المدرك من الكون ‏.‏ وتفترض النظرية أن اللبنات الأولية للمادة ما هي إلا طرق مختلفة لتذبذب تلك الخيوط العظمى في كون ذي أحد عشر بعدًا‏ ،‏ ومن ثم ، إذا كانت النظرية النسبية قد تحدثت عن كون منحن ‏,‏ منحنية فيه الأبعاد المكانية الثلاثة ‏(‏ الطول ‏,‏ العرض ‏,‏ والارتفاع ‏)‏ في بعد رابع هو الزمن‏ ,‏ فإن نظرية الخيوط العظمى تتعامل مع كون ذي أحد عشر بعدًا ، منها سبعة أبعاد مطوية على هيئة لفائف الخيوط العظمى التي لم يتمكن العلماء بعد من إدراكها .   

وسبحان القائل ‏:‏﴿ اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ (الرعد:2) ، والله قد أنزل هذه الحقيقة الكونية على خاتم أنبيائه ورسله‏ صلى الله عليه وسلم‏‏ من قبل أربعة عشر قرنًا ‏,‏ ولا يمكن لعاقل أن ينسبها إلى مصدر غير الله الخالق ‏.

بقلم : محمد إسماعيل عتوك


الفقرتان : الرابعة والخامسة من هذا المقال منقولتان بتصرف من مقال للدكتور زغلول النجار .  


           
          

تعليقات الزوار

الاسم:
التعليق:
بواسطة الأستاذ الدكتور حسنى حمدان/ كلية العلوم جامعة المنصورة بتاريخ 2011/11/16

أشكرك أيها الأخ محمد اسماعيل عتوك على مقالتكم الرصينة, وأخص بالذكر الجزء الأول من المقالة النتعلق بتفسير الآية الكريمة.كما أود الإشارة إلى وجود سر فى رفع السماوات بغير عمد ترونها التى ذكرت فى سورةالرعد وخلق السماوات بغير عمد ترونها فى سورة لقمان. ومن المؤكد وجود فرق لغوى بين الفعل رفع والفعل خلق والسؤال هل سبق الخلق الرفع أم هما متلاومان. وأيا كان الجواب فما هو المعنى الفيزيائى أو الكونى أو الفلكى لخلق السماوت بغير عمد ترونها ورفع السماوات بغير عمد ترونه. ولدينا قناعات مبدئية يؤكدها العلم سنطرحها فى برنامج العلم والإيمان بقناة الحافظ قريبا تتعلق ب pillars of creation and great attractors. مع شكرى لكم بالتناول الرصين وأمانتكم فى ذكر مصدر النقل. وتقبل تحيات الأستاذ الدكتور حسنى حمدان/ قسم الجيولوجيا / كلية العلوم/ جامعة المنصورة/ مصر(hamama@mans.edu.eg)

بواسطة محمد إسماعيل عتوك بتاريخ 2011/11/17

وأنا بدوري أشكرك أيها الأخ الفاضل الدكتور حسني حمدان على ثنائك الجميل أولاً ، وعلى ما أثرت من سؤال جيد ومهم ثانيًا ما كان ليخطر ببالي عندما كتبت مقالي هذا ، علمًا بأنني كنت قد ذكرت قول الله تعالى :﴿ رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾( الرعد: 2) مع قوله تعالى :﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾(لقمان: 10) ، ثم حذفت الآية الثانية منهما مكتفيًا بالأولى ؛ لأن موضوع المقال الرئيس هو رفع السماوات بعمد ، أو بغير عمد .. ومن المؤكد – كما تفضلت في تعليقك- وجود فرق لغوي بين الفعل خلق ، والفعل رفع ؛ فالخلق في اللغة هو عبارة عن الإيجاد وفق خصائص معينة ، وأصله التقدير المستقيم ، وأما الرفع في اللغة فهو عبارة عن وضع الشيء في جهة العلو ، وخلافه وضع الشيء في جهة السفل ، فالأول رفع والثاني خفض . قال تعالى :﴿ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ ﴾(الواقعة:3) . أي : تخفض وترفع . ولا يكون رفع إلا لشيء موجود . أي : مخلوق . وأما عن سؤالك :( هل سبق الخلق الرفع ، أم هما متلازمان ؟ ) فالجواب عنه - والله أعلم - : أنهما متلازمان ؛ ولهذا يقول المفسرون في تفسير آية الرعد : أي : خلقهن مرتفعات ، لا أنه سبحانه رفعهن بعد أن لم يكنَّ كذلك . وهذا يعني أن خلق السماوات ورفعها حدثا في وقت واحد .. وهذا لا يتنافى مع كون الخلق أسبق في الوجود من الرفع .. وإذا كان الأمر كذلك ، فلماذا استعمل سبحانه فعل الرفع في آية الرعد ، واستعمل فعل الخلق في آية لقمان ؟ والسر في ذلك يرجع إلى السياق الذي وردت فيه كل آية .. فآية الرعد وردت في افتتاح السورة بعد الآية الأولى منها . وهذه السورة جاءت تفصيلاً لما أجمل قبلها في خاتمة سورة يوسف عليه السلام ، وهي قوله سبحانه :﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾(يوسف:105) ، إلى قوله :﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾(يوسف:111) ، فأشار سبحانه إلى كثرة ما يحسونه من آيات الله في السماوات والأرض مع إعراضهم عنها وإشراكهم بالله ، وختم بالدليل على حقيَّة القرآن ، وأنه هدى ورحمة لقوم يؤمنون .. ثم افتتح سبحانه سورة الرعد بقوله :﴿ المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾( الرعد: 1) ، مشيرًا إلى تلك الآيات الكونية في السماوات والأرض ، وإلى القرآن المنزل على أنه الحق ، وأنه أعظم تلك الآيات وأرفعها شأنًا .. ولما كان المراد من الإشارة إلى تلك الآيات الاستدلال بها على عظمة الله ورفعة شأنه ، وعظمة ما أنزل على نبيه من القرآن الحق ، بدأ بما بدأ به في تلك من آيات السماوات لشرفها ؛ ولأنها أدل على العظمة والرفعة والقدرة ، فقال سبحانه :﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾( الرعد: 2) . أي : الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال والجلال والعظمة وحده ، فناسب ذلك كله ذكر فعل الرفع للسماوات بعمد غير مرئية . وأما قوله تعالى :﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾(لقمان:10) فقد ورد في معرض الاستدلال على الذين دأبهم الإعراض عن آيات الله بأن الله هو خالق المخلوقات ، فلا يستحق غيره أن تثبت له الإلهية . وقد أتى ذلك عقب قوله تعالى :﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ * خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾(لقمان:6-9) ، فختم سبحانه بذكر صفتين من صفاته : صفة العزة وهي غاية القدرة ، وصفة الحكمة وهي ثمرة العلم ، ثم أتبع ذلك بما يدل عليهما بإتقان أفعاله وإحكامها ، فقال سبحانه :﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ... ﴾(لقمان:10) ، وهو- على ما قال الألوسي- استئناف جيء به للاستشهاد بما فصل فيه على عزته عز وجل التي هي كمال القدرة ، وحكمته التي هي كمال العلم وإتقان العمل ، وتمهيد قاعدة التوحيد وتقريره ، وإبطال أمر الإشراك وتبكيت أهله . وقال البقاعي في نظم الدرر :« ولما ثبت بهذا الخلق العظيم على هذا الوجه المحكم عزته وحكمته ، ثبتت ألوهيته فألزمهم وجوب توحيده في العبادة كما توحد بالخلق ، لأن ذلك عين الحكمة ، كما كان خلقه لهذا الخلق على هذا النظام ؛ ليدل عليه سبحانه سر الحكمة ، فقال ملقنًا للمحسنين من حزبه ما ينبهون به المخالفين موبخًا لهم مقبحًا لحالهم في عدولهم عنه ، مع علمهم بما له من التفرد بهذه الصنائع :﴿ هَذَا ﴾ أي الذي تشاهدونه كله ﴿ خَلْقُ اللَّهِ ﴾ . أي : الذي له جميع العظمة ، فلا كفو له . ولما كان العاقل ، بل وغيره ، لا ينقاد لشيء إلا إذَا رأى له فعلاً يوجب الانقياد له ، نبَه على ذلك بقوله جوابًا لما تقديره : فإن ادعيتم لما دونه مما عبدتموه من دونه خلقًا عبدتموه لأجله :﴿ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ }لقمان ﴾(لقمان:11) ؛ ولهذَا كله ناسب أن يؤتى هنا بالفعل ( خلق ) ، دون الفعل ( رفع ) .. والله تعالى أعلم ! ... بقي أن تتحفنا أخي الفاضل الدكتور حسني بما سيطرح في برنامج العلم والإيمان بقناة الحافظ عن المعنى الفيزيائي أو الكوني أو الفلكي لخلق السماوات بغير عمد ترونها ، ورفع السماوات بغير عمد ترونها ، مع شكري وتقديري ، وتقبل تحياتي . محمد إسماعيل عتوك