الفرق بين هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا
 

الصفحة الرئيسة

من نحن

جديدنا

مساهمات الأصدقاء

انشر بحثك

اتصل بنا

 
تم بعونه تعالى افتتاح موقع أسرار  الإعجاز  البياني للقرآن الكريم بإشراف الباحث اللغوي محمد إسماعيل عتوك - ساهموا معنا في نطوير الموقع ونشره بارك لله فيكم
 

الفرق بين هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا

قال الله عز وجل في امرأة العزيز :﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (يوسف: 23- 24) ، فأثبت سبحانه لامرأة العزيز مراودتها ليوسف عليه السلام ، وهمَّها به ، وأثبت ليوسف عوذه بالله من مراودتها ، وهمَّه بها ، لولا أن رأى برهان ربه .

فما حقيقة هذا الهم الذي أُبْهِم أمره على أكثر الناس ، فتكلموا فيه بما لا يليق برتب الأنبياء عليهم السلام ؟ وهل هو كهمِّ امرأة العزيز به ، من حيث الفعل الذي أرادته ، أو أن بين الهمين فرقًا ، من حيث المعنى ؟ وفي الإجابة عن ذلك نقول بعون الله وتعليمه :

أولاً- الهمُّ - في اللغة - يطلق على الحزن الذي يذيب صاحبه ، وهو مأخوذ من قولهم : هَمَمْتُ الشحمَ . أي : أذبته . ويطلق على الهمِّ الذي في النفس ، وهو قريب من الأول ؛ لأنه قد يؤثِّر في نفس الإنسان كما يؤثِّر الحزن ؛ ولذلك قال حذيفة بن أنس الهذلي :

وكَانَ لَهُمْ في أَهْلِ نُعْمَانَ بُغْيَةٌ ... وَهَمُّكَ مَا لَمْ تُمْضِهِ لَكَ مُنْصِبٌ

أي : إنك إذا هممت بشيء ولم تفعله وجال في نفسك ، فأنت في تعب منه حتى تقضيه .

وحكي عن بعض العلماء قوله في الهمِّ الذي في النفس :« الهمُّ همَّان : همٌّ يخطر بالبال من غير أن يبرز إلى الفعل ، وهمٌّ يخطر بالبال ويبرز إلى الفعل . فالأول مغفور ، والثاني : غير مغفور ؛ إلا أن يشاءَ الله » . وأحسن من هذا ما حكي عن بعض أهل الحقائق من قوله :« الهمَّ همَّان :

أحدهما : هم ثابت ، وهو ما كان معه عزم وعقد ورضًا .

والثاني : هم عارض ، وهو الخُطُرَةُ وحديثُ النفس ، من غير اختيار ولا عزم » .

والعزم هو تصميم القلب على فعل الشيء ، والنفاذ فيه بقصد ثابت إليه ، وليس كذلك الهمُّ ؛ فقد يهمُّ المرء بأمر كان قد عقد عليه العزم ، وقصد إليه قصدًا وهو راضٍ ، فيكون الهمُّ على هذا آخر العزم ، وهذا هو الهمُّ المراد به همُّ الفعل . وقد يهمُّ المرء بأمر قد يعرض له ويخطر بباله فجأة ، فيميل إليه في لحظة ضعف ، لما يصحبه من مغريات ، من غير أن يقع عليه عزم منه ، ولا قصد إليه ، وهذا هو الهمُّ المراد به همُّ النفس . والأول همٌّ غير مغفور يعاقب عليه ؛ لأنه معصية ، والثاني همٌّ مغفورٌ لا يعاقب عليه ؛ لأنه ليس بمعصية .

فمن الهمِّ الأول قوله تعالى :﴿ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ﴾(المائدة: 11) . أي : صمَّموا النية على ذلك ، وعقدوا العزم عليه ، وقصدوا تنفيذه ، فكفَّ الله أيديهم عنه . ومنه قوله تعالى :﴿ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ (التوبة: 74) . أي : قصدوا إلى ما لم يصلوا إليه بعد أن عقدوا العزم عليه . قيل : كان طائفةٌ من المنافقين قد عقدت العزم على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفَرٍ ، فوقفوا له على طريقه . فلما بلغهم ، أَمر عليه الصلاة والسلام بتنحيتهم عن طريقه ، وسمَّاهم رجلاً ، رجلاً . ونظير ذلك قوله تعالى :

﴿ أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ (التوبة: 13) .

﴿ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ (غافر: 5) .

فالهمُّ في ذلك كله ونحوه من الهمِّ بالفعل ، ويقوي هذا قول عمير بن ضابىء البرمجي :

هَمَمْتُ ولَمْ أفْعلْ وكِدْتُ ولَيْتَني ... ترَكْتُ على عُثْمانَ تبْكِي حَلائِلُهْ

أي : هممت بقتله ، ولم أفعل ما هممت به ، وكدت أقتله . أي : قاربت قتله ، وليتني تركت زوجاته يبكين عليه ؛ لأن عثمان رضي الله عنه سجن أباه على هجائه وفحشه في القول ، ثم أعاده إلى السجن بعد أن أطلق سراحه ، فظل في سجنه حتى مات . ومن ذلك على ما قيل : سمِّي الهُمام هُمامًا ؛ لأَنه إِذا هَمَّ بأَمر أَمْضاه ، لا يُرَدُّ عنه ؛ بل يَنْفُذ كما أَراد .

ومن الهمِّ الثاني قوله تعالى :﴿ إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا (آل عمران: 122) . وهذا يعنى : أن الفشل خطر ببالهم وحدثتهم به نفوسهم . ولو كان ذلك عن عزم منهم وقصد ، ما كان الله وليهما ؛ لأن العزم على المعصية معصية ، ولا يجوز أن يكون الله سبحانه وليَّ من عزم على الفرار عن نصره . وقيل : الطائفتان هما حيان من الأنصار : بنو سلمة من الخزرج ، وبنو حارثة من الأوس ، لما انهزم عبد الله بنُ أُبّيٍّ همَّت الطائفتان باتِّباعه ، فعصمهم الله تعالى ، فثبتوا مع الرسول عليه الصلاة والسلام . فهمُّهم بذلك لا يدل على أن معصية وقعت منهما ، وعلى فرض أن يقال : إن ذلك الهمُّ منهما معصية ، فإنها تعدُّ من باب الصغائر لا من باب الكبائر ، بدليل قوله تعالى :﴿ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا ؛ فإنه لو كان من باب الكبائر ، لما بقيت ولاية الله لهما . ويقوِّي هذا المعنى قول كعب بن زهير :

ومِنْ فَاعِلٍ للْخَيْرٍ إنْ هَمَّ أو عَزَم ... وكمْ فيهمُ منْ فارسٍ مُتَوَسِّعُ

ففرق بين الهَمِّ ، والعَزْم . ولو كان المراد من الهمِّ : العزْمَ ، لما جاز التفريق بينهما .

وعلى الهمِّ الأول الذي هو همُّ الفعل يُحمَل همُّ امرأة العزيز بيوسف عليه السلام :﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾(يوسف: 24) . أي : همَّت به همَّ الفاحشة بعد أن عقدت العزم على ذلك ، وقصدت إليه قصدًا ، بدليل قوله تعالى قبله :﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ (يوسف: 23) ، وقوله تعالى عقبه :﴿ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ (يوسف: 25) .

وعلى الهمِّ الثاني الذي هو همُّ النفس يُحمَل همُّ يوسف عليه السلام بها :﴿ وَهَمَّ بِهَا (يوسف: 24) . أي : مال إليها بمقتضى الطبيعة البشرية ، دون عزم منه وقصد إليه ، بدليل قوله تعالى ردًّا على دعوتها السافرة :﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (يوسف: 23) ، وقوله تعالى حكاية قولها :﴿ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّنَ الصَّاغِرِينَ (يوسف: 32) .

واحتج القاضي أبو يعلى ، على أن هِمَّة يوسف لم تكن من جهة العزيمة ؛ وإِنما كانت من جهة دواعي الشهوة ، بقوله تعالى :﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي ﴾(يوسف: 23) ، وقولِه تعالى :﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ﴾ ، وكل ذلك إِخبار من الله تعالى ببراءة ساحته من العزيمة على المعصية .

وقال بعض العلماء :« كان همّ يوسف خطيئة من الصغائر الجائزة على الأنبياء . وإِنما ابتلاهم بذلك ؛ ليكونوا على خوف منه ؛ وليعرفهم مواقع نعمته في الصفح عنهم ؛ وليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء الرحمة » . وقال الحسن :« إِن الله تعالى لم يقصص عليكم ذنوب الأنبياء تعبيرًا لهم ؛ ولكن لئلا تقنطوا من رحمته » . يعني : أن الحجة للأنبياء ألزم . فإذا قبل التوبة منهم ، كان إِلى قبولها من الناس أسرع . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :« ما من أحد يلقى الله تعالى إِلا وقد همّ بخطيئة ، أو عملها إِلا يحيى بن زكريا ، فإنه لم يهمَّ ، ولم يعملها » .

وذهب عيَّاضٌ إلى أن الأنبياء عليهم السلام منزَّهون قبل النبوة من كل عيب ، ومعصومون من كل ما يوجب الرَّيب ، ثم قال بعد ذلك :« وأما قولُ اللَّه سبحانه :﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ، فعلى طريق كثيرٍ من الفقهاء والمحدثين أن همَّ النفس لا يؤاخذ به ، وليس بسيِّئة ؛ لقوله عليه السلام عن ربِّه : إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ ، فلا معصية في همه إذًا . وأما على مذهب المحققين من الفقهاء والمتكلمين فإن الهمَّ إذا وُطِّنَتْ عليه النفس سيئة ، وأَما ما لم توطَّن عليه النفس من همومها وخواطرها ، فهو المعفو عنه . وهذا هو الحق ، فيكون إن شاء الله هَمُّ يوسف من هذا ، ويكون قوله :﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾ (يوسف: 53) . أي : من هذا الهَمِّ » . وهذا كلام لا يحسن صدوره إلا ممن احترز عن المعاصي ، كما قال الرازي .

فثبت بذلك أن همَّ امرأة العزيز كان همَّ المعصية ؛ لأنه كان منها عن عزم وقصد وإصرار . أما همُّ يوسف فعارضه ما يعارض البشر من خطرات القلب وحديث النفس ، من غير عزم منه ولا قصد إليه ، فلم يلزمه هذا الهمُّ ذنبًا ؛ لأن هذا اللون من الهمِّ لا يدخل تحت التكليف ، ولا يخل بمقام النبوّة ؛ فإن الرجل الصالح قد يخطر بباله ، وهو صائم شرب الماء البارد في اليوم الحار ، فتميل نفسه إليه ، فإذا لم يشرب لم يؤاخذ بهذا الميل ؛ كذلك كان همُّ يوسف ، وهو ما يفصح عنه قوله مناجيًا ربه :﴿ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾(يوسف: 33) .

وهذا فزع منه إلى ألطاف الله وعصمته ، كعادة الأنبياء والصالحين ، فيما عزم عليه ، ووطَّن عليه نفسه من الصبر. وقوله :﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ . أي : أملْ إليهن ، وهي كلمة مشعرة بالميل فقط ، لا بمباشرة المعصية ، وهي من الصَّبْوَة ، وهي الميل إلى هوى النفس بمقتضى الطبيعة البشرية ، وحكم القوة الشهَويَّة . ومنها ( ريح الصَّبا ) ؛ لأن النفوس تصبو إليها ؛ لطيب نسيمها ورَوْحها .

وروى الشيخان وأهل السنن عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :« إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به ، أو تعمل به » . وعن صلى الله عليه وسلم قال :« هلك المصرّون » ، وليس الإِصرار إِلا عزم القلب ، ففرَّق عليه الصلاة والسلام بين حديث النفس ، وعزم القلب . وسئل سفيان الثوري : أيؤاخذ العبد بالهِمَّة ؟ فقال :« إِذا كانت عزمًا » .

ثانيًا- فإذا تأملت ما تقدم ، تبين لك أن قوله تعالى :﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾(يوسف: 24) صريح في إثبات الهمِّ إلى امرأة العزيز وإلى يوسف معًا ؛ ولكن همَّ يوسف عليه السلام مغاير لهمها . وأما ما ذهب إليه ابن قتيبة من أنه :« لا يجوز في اللغة : هممت بفلان ، وهم بي ، وأنت تريد : اختلاف الهمَّين » ، مستدلاً بذلك على أن همَّ يوسف من جنس همَّ امرأة العزيز ، فلا يصح إلا على قول من يرى أنهما كانا متفقين على فعل الفاحشة قبل الهمِّ بها ؛ كأن تكون المراودة عن النفس واقعة من الطرفين ، فيكون التعبير حينئذ : ولقد هما معًا . أو : همَّ كل منهما بالآخر ؛ كما ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إذا التقى المسلمان بسيفيْهِما فالقاتل والمقتول في النار». فقيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال :« لأنه كان حريصًا على قتل صاحبه » .

فيوسف عليه السلام لم يلتق مع امرأة العزيز على المعصية ، ولم يشاركها في المراودة ، بدليل أنها هي التي راودته ؛ كما أخبر الله تعالى عنها :﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهٍِ (يوسف: 23) ، وهذا ما صرحت به امرأة العزيز بقولها أولاً :﴿ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ (يوسف: 32) ، وقولها ثانيًا :﴿ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (يوسف: 51) ، وما جاء في السورة أصلاً أنه راودها عن نفسها ، فكيف يقال بعد هذا : لا اختلاف بين الهميَّن ، وهمُّه بها عليه السلام لم يكن عن عزم ولا قصد ؛ كما كان همُّها به ؟

ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن قولنا : همَّ بالشيء ، لا يعني : أنه فعل ما همَّ به ، أو قارب من فعله ، أو ابتدأ بفعله ، ثم تركه قبل أن يتم ؛ لأن الهمَّ بالشيء- كما تقدم- هو آخر العزيمة ، إن كان همَّ الفعل ، ولا يعني الدخول بالفعل ، أو مقاربته ، ويشهد لذلك قول عمير بن ضابىء البرمجي الذي تقدم ذكره :

هَمَمْتُ ولَمْ أفْعلْ وكِدْتُ ولَيْتَني ... ترَكْتُ على عُثْمانَ تبْكِي حَلائِلُهْ

ومن هنا لا يصح ما اتفق عليه كثير من المفسرين ، من أن همَّ امرأة العزيز بيوسف عليه السلام وهمَّها به يعني : أنها استلقت له ، وأنه جلس بين رجليها مجلس الرجل من المرأة كما روي عن ابن عباس ، أو حلَّ سراويله كما روي عن مجاهد وسعيد بن جبير والحسن وأكثر المتقدمين ، أو غير ذلك من الأقوال الكاذبة والملفقة على السلف ؛ إذ كيف يليق بنبي أن ينسب إليه مثل ذلك الفعل الشنيع ؟ والله تعالى يقول :﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾(يوسف: 22) ، والحكم هو العمل بمقتضى العلم ، وقد عمل يوسف عليه السلام بما علَّمه الله تعالى من تحريم الزنا وتحريم خيانة السيد أو الجار أو الأجنبي في أهله ، فما تعرض لامرأة العزيز ، ولا أناب إلى المراودة بحكم المراودة ؛ بل أدبر عنها وفرَّ منها . وهذا- والكلام للشيخ ابن عربي- يطمس وجوه الجَهَلَة من الناس والغَفَلَة من العلماء ، في نسبتهم إليه ما لا يليق به .

كيف ، والله سبحانه يقول :﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ﴾(يوسف: 24) ؟ والسوء هو المراودة والمغازلة ، والفحشاء هي الزنا ، فما ألمَّ بشيء من ذلك ، ولا أتى بفاحشة ، وقد شهد له النسوة اللاتي قطعن أيديهن بطهارته ونزاهته وببراءته مما نسبه إليه بعض المفسرين ، فـ﴿ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ﴾(يوسف: 51) ، تعجبًا من عفته وذهابه بنفسه عن شيء من الريبة ومن نزاهته عنها ، وهذه هي شهادتهن الثانية بعد شهادتهن الأولى ، حيث قلن :﴿ حَاشَ للَّهِ مَا هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (يوسف: 31) . ثم تأتي شهادة امرأة العزيز نفسها التي أقرَّت في المرة الأولى بطهارته ، حيث قالت :﴿ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فاستعصم (يوسف: 32) ، وفي المرة الثانية ، حيث قالت :﴿ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴾(يوسف: 51) ، وهو إشارة إلى أنه صادق في قوله :﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي (يوسف: 26) . ولا مزيد على شهادتهنّ وشهادتها له بالبراءة والنزاهة ؛ لأنهنّ خصومه . وإذا اعترف الخصم بأنّ صاحبه على الحق وهو على الباطل ، لم يبق لأحد مقال .

قال الشيخ ابن عربي :« فإن قيل : فقد قال الله :﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا (يوسف: 23) ، قلنا : قد تقصَّينا عن ذلك في كتاب الأنبياء من شرح المُشكلين ، وبينا أن الله سبحانه ما أخبر عنه أنه أتى في جانب القصة فعلاً بجارحة ؛ وإنما الذي كان منه الهمُّ ، وهو فعل القلب ، فما لهؤلاء المفسرين لا يكادون يفقهون حديثًا ، ويقولون : فعل ، وفعل ؟ والله إنما قال :﴿ وَهَمَّ بِهَا ، لا أقالهم ، ولا أقاتهم الله ، ولا عالهم »

وذهب أكثر المتأخرين إلى القول بأن الكلام قد تمَّ عند قوله تعالى :﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ ، ثم ابتدىء الخبر عن يوسف بقوله تعالى :﴿ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ ، وتأولوه على التقديم والتأخير . أي : لولا أن رأى برهان ربه ، لهمَّ بها ؛ لكنه امتنع همُّه بها لوجود رؤية برهان ربه ، فلم يحصل منه همٌّ البتَّة ، وبهذا يُتَخلَّص من الإشكال الذي يورد ، وهو : كيف يليق بنبي أن يهم بامرأة ؟ وقال أبو حيان في البحر المحيط :« والذي أختاره أن يوسف عليه السلام لم يقع منه همٌّ بها البتة ؛ بل هو منفي لوجود رؤية البرهان ؛ كما تقول : لقد قارفتَ ، لولا أن عصمك الله . ولا تقول : إن جواب ( لولا ) متقدم عليها ، وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك » ..

والقول بأن جواب ( لولا ) متقدم عليها هو مذهب الكوفيين ، وإليه ذهب قطرب من البصريين ، وأنكر جمهور البصريين هذا القول ؛ لأنه شاذ ومستكره ، ولا يوجد في فصيح كلام العرب ؛ ولذلك قالوا بأن جواب ( لولا ) محذوف دلَّ عليه ما قبلها ، وقدَّره الزجاج بقوله :« لولا أن رأى برهان ربه ، لأمضى ما هم به » ، وقدَّره ابن الأنباري بقوله :« لولا أن رأى برهان ربه ، لزنا » .

ومن المحدثين الذين مالوا إلى القول بتقديم جواب ( لولا ) عليها الشيخ عبد الوهاب النجار ، والدكتور محمد أبو شهبة الذي قال عنه بعد أن حكاه :« إنه القول الجزل الذي يوافق ما دل عليه العقل من عصمة الأنبياء ، ويدعو إليه السابق واللاحق » . ومنهم الشيخ الدكتور أحمد الكبيسي في ( أحسن القصص ) الذي قال عنه ما نصُّه :« وأفضل تفسير تطمئن إليه نفسي أن هناك تقديمًا وتأخيرًا في الآية » ، ثم قال :« ولولا أن رأى برهان ربه ، لهم بها .. يستقيم هذا التفسير مع عصمة الأنبياء .. كما يستقيم مع روح الآيات التي تلحقه مباشرة » .  

وأنا أقول : ليس هذا القول بأنه القول الجزل ، وأنه أفضل تفسير تطمئن إليه النفس ، ولا يدل عليه العقل من عصمة الأنبياء ، أو يستقيم مع عصمتهم ، ومع روح الآيات التي تسبقه أو تلحقه ، وأول ما يؤخذ عليه ، من حيث النظم ، أنه لعب بألفاظ الآية الكريمة وعبث بها ، وكلام الله عز وجل نصٌّ محكم في نظمه ومعناه ، ولا يجوز لأحد أن يعبث به بتقديم وتأخير ، أو بحذف منه وزيادة عليه . وأما من حيث المعنى فإن قوله تعالى :﴿ وَهَمَّ بِهَا جملة خبرية قائمة بنفسها مستقلة بذاتها ، وقوله :﴿ لَوْلَا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ عبارة شرطية قيديَّة جاءت قيدًا على الأولى ، واستعملت فيها أداة الشرط ( لولا ) دون غيرها من أدوات الشرط ؛ لتدل على أن همَّ يوسف عليه السلام بامرأة العزيز ثابتٌ ؛ ولكنه لم يخرج عن همِّ النفس إلى همِّ الفعل . وفرق كبير- عند من يعرف جوهر الكلام ويدرك أسرار البيان- بين أن يقال :

( ولولا أن رأى برهان ربه ، لهم بها ) ، وأن يقال :

( وهمَّ بها ، لولا أن رأى برهان ربه ) .

فالأول جملة شرطية مكونة من عبارة شرطية وعبارة جوابية وأداة شرط ، والكلام فيها مبنيٌّ على الشرط من أوله ، وتدل على امتناع الهمُّ ، لوجود رؤية البرهان .

وأما الثاني فهو جملة خبرية ، مقيَّدة بعبارة شرطية قيديَّة ، والكلام فيها مبني على الجملة الخبرية من أوله ، وتدل على أن الهمَّ موجود ؛ ولكنه لم يتجاوز ميل النفس . ومن هنا لا يجوز أن يقال على مذهب الكوفيين : إن جواب ( لولا ) مقدم عليها . أو يقال على مذهب البصريين : إن جوابها محذوف ، دل عليه ما قبلها .

ومن يتأمل قوله تعالى :﴿ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ حق التأمل ، يتبين له أن المنفيَّ لوجود البرهان هو ما يترتب على الهمِّ من فعل ، وليس الهمُّ نفسه ، بدليل قوله تعالى عقبه :﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ، وهو ما يترتب على الهمِّ من فعل ، يصح أن يوصف بـ( السوء والفحشاء ) ، وليس كذلك الهمُّ .

قال الشيخ ابن عربي :« كان بمدينة السلام إمام من أئمة الصوفية ، وأي إمام ، يعرَف بابن عطاء ، تكلم يومًا على يوسف وأخباره حتى ذكر تبرئته من مكروه ما نسب إليه ، فقام رجل من آخر مجلسه ، فقال له : يا سيدي ! فإذًا يوسف همَّ ، وما تمَّ . فقال : نعم ؛ لأن العناية من تمَّ » . وعقَّب على ذلك بقوله :« فانظر إلى حلاوة العالم والمتعلم ، وانظر إلى فطنة العامي في سؤاله ، وجواب العالم في اختصاره ، واستيفائه ؛ ولذلك قال علماء الصوفية : إن فائدة قوله :﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا (يوسف: 22) أن الله أعطاه العلم والحكمة إبَّانَ غلبة الشهوة ؛ لتكون له سببًا للعصمة » .

وأما ما ذهب إليه بعضهم ، من أن المراد من الآية : همَّت بضربه بعد أن رفض الإذعان لهواها ، وهو همَّ بضربها ، فهو قول بعيد عن الصواب ، ولا دليل لهم عليه . وإليه ذهب صاحب تفسير المنار ، وقال عنه صاحب كتاب ( المعنى القرآني في ضوء اختلاف القراءات ) ، بعد أن حكى الأقوال السابقة :« ولعل ذلك أرجح الآراء في تفسير الآية ، ولقد ذكرت في كتابي عن الإسرائيليات مسوغات هذا الترجيح ؛ ومنها :

1- أن هذا الرأي موافق لترتيب الآيات القرآنية ، كما جاءت في سورة يوسف ؛ إذ الهمُّ بالفاحشة لا يكون بعد المراودة ؛ بل هو مرحلة سابقة على المراودة . فإذا ذكر القرآن المراودة قبل الهم ، فقد دل على أن الهمَّ هنا من نوع آخر غير الهم بالفاحشة ، وتفسير الهم بالضرب والبطش مقنع .

2- ومن ذلك أيضًا أن في هذا التفسير اتحادًا لمعنى الفعلين : همَّت وهمَّ ، وهو الذي ينبغي أن يكون لمجيئهما في سياق واحد » .

وقد سبق ذلك قول هذا الباحث :« وقيل : إن المراد بالهمِّ من جهتها طلب الفاحشة ، ومن جهته عليه السلام حديث النفس أو الخطرة التي تمر بالقلب ، ثم تمضى .. وقد يُعترَض عليه بأنه لا دليل على صَرْف فعليِّ الهمِّ على معنى يغاير الآخر في كل واحد منهما » .

وهذان القولان منه مبنيَّان على فهم غير صحيح لمعنى ( المراودة ) ، ومعنى ( الهمِّ بالشيء ) ، وجهل واضح بترتيب الآيات . 

أما ( المراودة ) فهي المطالبة برفق ولين ، من : راد يرود ، إذا جاء وذهب لطلب الشيء ، وهي هنا ( مفاعلة ) من واحد ؛ نحو قولهم : داويت المريض . وراودت المرأة في مشيها ترودُ رَوَدَاناً . والأغلب فيها أن تكون من اثنين . يقال : راود جاريته عن نفسها ، وراودته عن نفسه ؛ إذا حاول كل واحد منها مواقعة الآخر . والرِّيادةُ : طلب النِّكاح . والرَّوْدُ : الرفْقُ في الأمور والتأنِّي فيها .

فقوله تعالى مخبرًا عن امرأة العزيز :﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ﴾(يوسف: 23) يعني : أنها طلبت منه مواقعتها برفق ولين ، وأنه ردَّ على طلبها برفق ولين أيضًا ، فقال :﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (يوسف: 23) . وعُدِّيَ فعل المراودة بـ( عن ) ، لما فيه من دلالة على معنى المخادعة . والتشديد في ﴿ غَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ ﴾ ، للدلالة على التكثير ، أو المبالغة ، وجيء بلفظ ( هَيْتَ ) الذي يدل بحروفه على أنه ﴿ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ﴾ ؛ وذلك بدءًا من الهاء المفتوحة ومخرجها من الجوف ، ثم الياء الساكنة ومخرجها من وسط الحلق ، ثم التاء المفتوحة ومخرجها من الثنايا .

وأما ( الهمُّ بالشيء ) فقد بيَّنا بما فيه الكفاية أن ﴿ هَمَّتْ بِهِ ﴾ مغاير لـ﴿ هَمَّ بِهَا ، ومغايرة الأول للثاني من وجهين :

أحدهما : أن همَّها به همٌّ ثابت ، وكان منها عن عزم وعقد ورضًا ، خلافًا لهمِّه بها :﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ .

والثاني : أن همَّها به أتى مطلقًا ، بخلاف همِّه بها ؛ إذ أتى مقيَّدًا برؤية برهان ربه :﴿ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ .

وواضح مما تقدم أن ( الهمَّ ) همَّان ، وأن دعوى اتحاد الفعلين باطلة ، وأنه يأتي ، من حيث الترتيب بعد ( المراودة ) ، كما ورد ذلك في الآية الكريمة ، وهل هناك أحسن من كلام الله سبحانه ترتيبًا ؟ فكيف يقال بعد هذا :« الهمُّ بالفاحشة لا يكون بعد المراودة ، بل هو مرحلة سابقة على المراودة » ، والعكس هو الصحيح ؟ وهنا أجدني مضطرًّا لأن أردِّدَ قول الشيخ ابن عربي الذي تقدم ذكره :« فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا » ؟

ثالثًا- وأختم بما قاله ابن جزي ، وسيد قطب في تفسير هذه الآية الكريمة التي طوَّل المفسرون فيها ، وخلطوا بين الأقوال الصحيحة ، والأقوال السقيمة التي نسبوا فيها ليوسف عليه السلام ما لا يجوز نسبته لآحاد الفساق .

 أما ابن جزي فقد حكى عنه ابن عجيبة في البحر المديد أنه قال :« أكثَرَ الناس الكلام في هذه الآية ، حتى ألفوا فيها التآليف ، فمنهم مفرط ومُفرّط ؛ وذلك أن منهم من جعل هَمَّ المرأة وهَمَّ يوسف ، من حيث الفعل الذي أرادته ، وذكروا من ذلك روايات من جلوسه بين رجليها ، وحلِّه للتكَّة ، وغير ذلك مما لا ينبغي أن يقال به ؛ لضعف نقله ؛ ولنزاهة الأنبياء عن مثله . ومنهم من قال : همت به لتضربه على امتناعه ، وهَمَّ بها ليقتلها أو يضربها ؛ ليدفعها . وهذا بعيد يرده قوله :﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ .. ثم قال : والصواب إن شاء الله : أنها همَّت به من حيث مُرادُها ، وهَمَّ بها كذلك ؛ لكنه لم يعزم على ذلك ، ولم يبلغ إلى حدِّ ما ذُكِر من حلِّ التكَّة ؛ بل كان همُّه خطرة خطرت على قلبه ، ولم يتابعها ؛ ولكنه بادر إلى التوبة والإقلاع عن تلك الخطرة حتى محاها من قلبه ، لمَّا رأى برهان ربه . ولا يقدح هذا في عصمة الأنبياء ؛ لأن الهمَّ بالذنب ليس بذنب ، ولا نقص في ذلك ؛ لأن من همَّ بذنب ثم تركه ، كتب له حسنة » . وعقَّب ابن عجيبة على ذلك بقوله :« قلت : وكلامه حسن ؛ لأن الخطرات لا طاقة للبشر على تركها ، وبمجاهدة مخالفتها فُضِّل البشر على جنس الملائكة » .

وأما سيد قطب فقال ما نصُّه :« لقد حصر جميع المفسرين القدامى والمحدثين نظرهم في تلك الواقعة الأخيرة . فأما الذين ساروا وراء الإسرائيليات فقد رووا أساطير كثيرة يصورون فيها يوسف هائج الغريزة مندفعًا شبقًا , والله يدافعه ببراهين كثيرة ، فلا يندفع .. صورت له هيئة أبيه يعقوب في سقف المخدع عاضًا على أصبعه بفمه ، وصورت له لوحات كتبت عليها آيات من القرآن . أي : نعم من القرآن ، تنهى عن مثل هذا المنكر , وهو لا برعوي حتى أرسل الله جبريل يقول له : أدرك عبدي , فجاء فضربه في صدره ، إلى آخر هذه التصورات الأسطورية التي سار وراءها بعض الرواة ، وهي واضحة التلفيق والاختراع .

وأما جمهور المفسرين فسار على أنها همَّت به همَّ الفعل , وهمَّ بها همَّ النفس , ثم تجلَّى له برهان ربه ، فترك . وأنكر المرحوم الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار على الجمهور هذا الرأي ، وقال : إنها إنما همَّت بضربه نتيجة إبائه وإهانته لها ، وهي السيدة الآمرة , وهمَّ هو برد الاعتداء ؛ ولكنه آثر الهرب ، فلحقت به وقدَّت قميصه من دبر .. وتفسير الهمِّ بأنه ( همُّ الضرب ، وردُّ الضرب ) مسألة لا دليل عليها في العبارة , فهي مجرد رأي لمحاولة البعد بيوسف عن همِّ الفعل ، أو همِّ الميل إليه في تلك الواقعة ، وفيه تكلف وإبعاد عن مدلول النص .

أما الذي خطر لي ، وأنا أراجع النصوص هنا , وأراجع الظروف التي عاش فيها يوسف , في داخل القصر مع هذه المرأة الناضجة فترة من الزمن طويلة , وقبل أن يؤتى الحكم والعلم ، وبعدما أوتيهما .. الذي خطر لي أن قوله تعالى :﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ هو نهاية موقف طويل من الإغراء , بعدما أبى يوسف في أول الأمر واستعصم .. وهو تصوير واقعي صادق لحالة النفس البشرية الصالحة في المقاومة والضعف ، ثم الاعتصام بالله في النهاية والنجاة ؛ ولكن السياق القرآني لم يفصل في تلك المشاعر البشرية المتداخلة المتعارضة المتغالبة ; لأن المنهج القرآني لا يريد أن يجعل من هذه اللحظة معرضًا يستغرق أكثر من مساحته المناسبة في محيط القصة , وفي محيط الحياة البشرية المتكاملة كذلك ، فذكر طرفي الموقف بين الاعتصام في أوله ، والاعتصام في نهايته , مع الإلمام بلحظة الضعف بينهما ؛ ليكتمل الصدق والواقعية والجو النظيف جميعًا .

هذا ما خطر لنا ، ونحن نواجه النصوص ونتصور الظروف ، وهو أقرب إلى الطبيعة البشرية ، وإلى العصمة النبوية ، وما كان يوسف سوى بشر .. نعم إنه بشر مختار ، ومن ثم لم يتجاوز همُّه الميل النفسي في لحظة من اللحظات . فلما أن رأى برهان ربه الذي نبض في ضميره وقلبه بعد لحظة الضعف الطارئة , عاد إلى الاعتصام والتأبي » .. والله تعالى أعلم بأسرار كلامه ، نسأله سبحانه أن يعصمنا من الزلل في القول والفعل ، فإنه لا عاصم إلا هو !

بقلم : محمد إسماعيل عتوك


           
          

تعليقات الزوار

الاسم:
التعليق: